الاثنين، 10 يناير، 2005

الظل الطويل … والشارب الكبير!

غير معقول ما يحدث هنا في أبوظبي خاصة والإمارات عامة، لا يمكنني التعايش مع حقيقة أننا في عام 2005م ولا زلنا نستخدم الأساليب التقليدية في المؤسسات الحكومية، أعلم ... الموضوع متكرر، لكن ليس بيدي حيلة، لا يثير غضبي شيء مثل الإهمال الذي أراه في المؤسسات الحكومية، أشعر في بعض الأحيان أنني أريد ضرب الموظف الذي أمامي، أو أن أرميه بعيداً لأنجز أنا معاملات الناس بدلاً من وقوفهم وانتظارهم لساعات طويلة.

ذهبت اليوم إلى مركز الشرطة لاستلام جواز سفري الذي حجز هناك لأنني كفلت شخصاً ما متورط في حادث مروري وحصل على مخالفة القيادة بطيش وهذا يعني الحبس أسبوعاً ويجب أن يكفله شخص ما لإخراجه، وقد كفلته أنا وأخبرني هو أنه أنجز كل شيء وما علي سوى الذهاب إلى مركز الشرطة لاستلام جوازي، وقد تأخرت وتكاسلت عن فعل ذلك بضعة أشهر، وهذه عادة قبيحة لدي ... عادة تجعلني أكره نفسي في بعض الأحيان لكن سرعان ما يزول هذا الشعور لأعود ذلك الشخص البارد غير المكترث بشيء.

دخلت إلى مركز الشرطة الخاص بقضايا المرور وهو مكان مشهور في أبوظبي، فإذا أخبرك شرطي ما بأن تذهب بسيارتك إلى بوابة أربعة فهذا يعني أن تذهب إلى هذا المركز وترمي سيارتك هناك وتتركها تحت الشمس والغبار لشهر، على أي حال دعوني أصف لكم كل شيء بدقة مبالغة فيها، أريد أن أفرغ شحنة الغضب هذه في الكتابة لأنني لو لم أفعل ذلك لبدأت في ضرب الجدار بيدي كما فعلت سابقاً!

المكان تفوح منه رائحة الغبار، نثرت نباتات ذابلة هنا وهناك، الأرض والجدران مغطاة بالرخام الأبيض، وققت أمام مكتب الاستقبال لأسأل عن مكان استلام جواز السفر، وقفت أنتظر ثلاث دقائق أو أكثر، سمعت رجلاً يناديني: نعم الاخو ... أي خدمة؟ قلت: أريد استلام جوازي، أشار بيديه: إصعد إلى ذلك الدرج، ثم ذهب بدون أن يضيف شيئاً آخر.

في الطابق الثاني وجدت بوابة كبيرة، دخلت إلى قاعة تناثرت فيها بعض الكراسي البلاستيكية البرتقالية، رأيت رجلاً يكتب على نموذج معاملة، لا أدري إلى أين أذهب، ليس هناك شيء واضح يدلني على المكان الذي أريده، رأيت مكتباً فيه بعض الموظفين، دخلت وإذ بأحدهم مشغول بالهاتف، وآخر يكلم شخصاً حول معاملة والثالث يقرأ صحيفة، سألت الأخير فدلني على البوابة رقم ثلاثة.

بدأت البحث عن البوابة ولم أجدها إلا بعد أن تهت قليلاً في المبنى، كانت البوابة ثلاثة عبارة عن غرفة كبيرة قسمت إلى جزئين بفاصل زجاجي كئيب، الجزء الأول صغير وخاص لأصحاب المعاملات، الجدران قذرة ملوثة بخطوط وبقع سوداء وبنية وفي آخر الغرفة رف وضعت عليه أربع نماذج لمعاملات، إلهي ألهمني الصبر، علقت لوحة رخيصة كان زجاجها مكسوراً ووضعت نباتات ذابلة تحت الرف.

وراء الحاجز الزجاجي يجلس موظف مواطن ضخم الجثة يلبس لباس الشرطة الأخضر، الغرفة عبارة عن رفوف مليئة بدفاتر خضراء، آلاف الدفاتر الكبيرة، غرفة كئيبة، ألقيت السلام على الشرطي وقد كان يعطيني ظهره، رد علي السلام ولم يلتفت إلا بعد دقيقة أو دقيقتين، رجل يتحرك ببطئ ويتكلم ببطئ، لحيته بيضاء خفيفة جداً أما شاربه فقد كان غليظاً كبيراً أبيض، أعطيته الورقة ونظر إليها بلا مبالاة، قال: أين رقم القضية، أشرت له على رقم القضية، فقال: أنزل تحت عند مكتب 15 وهات رقم الجزاء.


فعلت كما يريد، ذهبت إلى الطابق الأول وجئت برقم الجزاء بسرعة، كان الموظف الذي أعطاني الرقم شاباً يعمل على حاسوب، كتب الرقم على الورقة فشكرته وعدت إلى صاحب الشارب الكبير، كلمني بشيء لم أفهمه، قلت له: أنا مجرد كفيل، القضية انتهت منذ أشهر وأنا أريد جوازي، أعطاني الورقة ببطئ: انتظر فلان السوداني سيأتي بعد قليل، سألت بغضب واضح: متى؟ قال بكل برود: سيأتي ... انتظر، وعاد إلى عمله.

انتظرت عشر دقائق أو أكثر، في هذه الفترة جاء رجل هندي بأوراق لإنجاز معاملة، كانت عينه اليسرى محاطة بهالة سوداء، يبدو أنه متورط في معركة ما كانت حصيلتها عين يسرى لا يرى بها جيداً لبعض الوقت، لكنه يبدو وديعاً هنا، فهو قصير القامة وصوته منخفض لا يكاد أحد يسمعه، وجاء معه رجل من شرق آسيا، لا أدري من أي جنسية كان، يستعين بعكازات للمشي، أخبرهم صاحب الشارب الكبير بأن يذهبوا ليسددوا الرسوم، في هذه اللحظة أردت أن آخذ أوراقهم وأنجزها بنفسي بدلاً من هذا الروتين المقيت.

جاء فلان السوداني، شاب مرح طويل القامة ونحيل وله وجه شبه أملس، هناك شعيرات صغيرة نبتت أسفل ذقنه، جاء صاخباً وفجأة عاد وهو يقول شيئاً لم أفهمه، كأنه نسي شيئاً ما، وانتظرت عشر دقائق أخرى، كنت أتجول فيها قليلاً خارج الغرفة الكئيبة، فوجدت صاحب الظل الطويل (فلان السوداني) جالساً مع شخص ما يتحدث ويضحك، لم أتكلم، أردت أن أعرف إلى أي مدى عشش الإهمال في هذه المؤسسة.

عدت إلى الغرفة الكئيبة وجاء صاحب الظل الطويل مرة ومرتين وخرج ولم أتكلم، ثم أنجز معاملة بسرعة لشخص ما يبدو أنه يعرفه جيداً، ثم لشخص آخر أيضاً فأشرت له بورقتي وبدأ في الاعتذار والكلام الجميل الذي لم يؤثر علي، كنت في هذه اللحظة لا أريد سوى ذلك الجواز، فتح دفتراً من تلك الدفاتر الخضراء وبحث في الأوراق ثم طلب مني ثلاث أوراق براءة ذمة، إحداها من أبي والثانية من شخص ما وثالثة الأثافي من مؤسسة حكومية، قلت: هذا ليس من شأني، المتورط في الحادث هو المسؤول عن هذه الأوراق، قال: يمكنك أن تأتي بجواز آخر وتأخذ جوازك إن كنت مستعجلاً! قلت: خير، وخرجت وأنا أسمع صاحب الظل الطويل يعتذر ويستسمح مني وأنا أردد كلمة واحدة: خير!

لم أكن أقصد بكلمة "خير" هذه أي شيء، كلمة تعودت أن أذكرها إن أردت إنهاء موضوع ما، خرجت من المؤسسة وأنا أريد أن أصرخ، أن أقول للناس من حولي: نحن في عام 2005م وهؤلاء لا زالوا يعيشون في فترة ما قبل التاريخ! غير معقول أن يحدث هذا في الإمارات وأبوظبي خصوصاً، المشكلة أن دبي لا تبعد عنا كثيراً وقد تطورت وتغيرت وأصبحت المعاملات الحكومية أسرع وأسهل، لم لا نتعلم من هذه التجربة؟

القضية ليست في مركز الشرطة فقط بل في كل مؤسسة حكومية، هناك روتين قاتل يضيع الوقت والمال، تصوروا أن معاملة لاستخراج رخصة تجارية في دبي تستغرق 24 ساعة فقط أما في أبوظبي فتحتاج على الأقل إلى شهر من الإجراءات.

نعم أنا أشكوى، وأعلم أن مجرد كتابتي لهذه الكلمات لن يفيد أحداً، لا بد من فعل شيء ما، كيف يمكننا نحن الأفراد أن نغير هذا الواقع الكئيب؟