السبت، 16 فبراير، 2008

الرجل الذي مهد الطريق

التاريخ يكتبه المنتصرون، أو هكذا يقال، قصتنا اليوم تدور حول شخص ساهم في تطوير فكرة الحاسوب الشخصي لكنه لم يلقى التقدير الذي حظي به آخرون قاموا بإنشاء شركات تقنية وأصبحوا من أغنى أغنياء العالم، هذا الرجل كان شغوفاً بالتقنية وبالعمل والإنجاز أكثر من إدارة مشروع شركة وجني أرباح، على عكس صديقه ومنافسه الذي تربى في بيئة تنافسية كل شيء فيها يدور حول التنافس وحول وجود منتصر واحد وخاسرين، هذه التربية انعكست على سلوكيات شركته التي لا تجد مشكلة في تدمير المنافسين حتى بطرق غير أخلاقية.

ولد غاري كيلدول (Gary Kildall) في عام 1942م في مدينة سياتل، نفس المدينة التي ولد فيها صديقه ومنافسه بيل غيتس، التحق غاري بجامعة واشنطن ليدرس الرياضيات لكن اهتمامه تحول إلى علوم الحاسوب فحصل على شهادة في هذا المجال، ثم اختار العمل في كلية عسكرية في كاليفورنيا بدلاً من الذهاب إلى حرب فيتنام، كان مقر عمله لا يبعد كثيراً عن وادي السيليكون وهذا ما أعطاه فرصة للاطلاع على جديد تقنيات الحاسوب.

سمع غاري عن معالج إنتل 4004 وبدأ في إجراء تجارب عديدة عليه ليعرف طريقة عمل المعالجات، ثم بدأ بالعمل كمستشار لشركة إنتل في الأيام التي لا يعمل فيها للكلية العسكرية.

في إنتل تمكن غاري من العمل على معالجات مختلفة، فطور لغة PL/M لمعالج إنتل 8080 في عام 1973م وفي نفس العام طور نظام التشغيل CP/M، وبهذا تمكن غاري من جمع كل المكونات الضرورية لإنشاء حاسوب شخصي، هذا في عام 1973م أي قبل سنتين من ظهور حاسوب ألتير 8800.

عرض غاري نظام التشغيل على إنتل لكن الشركة لم تكن مهتمة بالنظام إلا أنها سوقت لغة البرمجة PL/M، لذلك قام غاري بإنشاء شركته الخاصة Digital Research لتسويق نظام التشغيل CP/M في مجلات هواة الحاسوب، وفي مدة قصيرة أصبح هذا النظام هو الأكثر انتشاراً بين الحواسيب الشخصية من منتصف السبعينات وحتى بدايات الثمانينات.

في 1980م قامت آي بي أم بالاتصال بشركة غاري بعد أن اقترح عليهم بيل غيتس فعل ذلك، لم تكن مايكروسوفت تملك نظام تشغيل في ذلك الوقت، وقد كانت آي بي أم تبحث عن نظام تشغيل لمشروع حاسوبها الشخصي، فزارت شركة غاري لتبحث معه عقد اتفاقية.

بعض الكتاب في مجال تاريخ الحاسوب يحبون التحدث عن هذا الحدث لكن بنسخته المثيرة، فهم يقولون بأن غاري فضل أن يطير بطيارته الخاصة على أن يتفاوض مع آي بي أم وهكذا خسر الصفقة واستغل بيل غيتس هذه الفرصة فقام بتطوير نظام التشغيل دوس وعقد اتفاقية مع آي بي أم وأصبح هو أغنى أغنياء العالم.

وهناك مقالات تتحدث عن غاري "الرجل الذي كان يمكن أن يصبح بيل غيتس" وتذكر أسطورة طيرانه بعيداً عن صفقة القرن، وهذا ما كان يضايق غاري في السنوات التالية وحتى وفاته، لأن الحقيقة مختلفة، فقد التقى مع ممثلي آي بي أم الذين أصروا على توقيع اتفاقية تسبق المفاوضات تنص على ألا يخبر أحداً عن زيارة آي بي أم وعن أي تفاصيل في المفاوضات وتعطي آي بي أم الحق في استخدام أي معلومات حصلت عليها بدون أي مقابل، في البداية رفض غاري هذه الشروط لكنه قبل بها بعد ذلك ولكن المفاوضات لم تنتهي باتفاق.

عادت آي بي أم إلى مايكروسوفت فاستغل بيل غيتس هذه الفرصة واشترى نظام QDos من شركة صغيرة تسمى Seattle Computer Products، كان كيودوس يستخدم أفكاراً شبيهة بنظام CP/M، ولو قارنت بين النظامين فلن تجد أي فرق، لا يعني هذا أن مبرمج كيودوس سرق CP/M، بل قام بدراسة النظام وأجرى عليه بعض الاختبارات ليعرف طريقة عمله ثم صمم نظام تشغيله الخاص على هذا الأساس.

بالطبع هناك نقاشات مطولة حول هذا الموضوع، بما أن مايكروسوفت اشترت هذا النظام كان غاري يفكر في رفع قضية عليهم يتهمهم فيها بسرقة أفكار من نظام تشغيله، لكن مايكروسوفت أصدرت نسخة ثانية من النظام تختلف كلياً عن CP/M، مع ذلك لا زال النقاش قائماً: هل يعتبر QDos سرقة لأفكار CP/M أم لا؟

آي بي أم اتفقت مع مايكروسوفت على أن تعرض نظام مايكروسوفت للبيع مع حاسوبها الشخصي وخشية من رفع قضية عليها بسبب استخدام نظام مايكروسوفت اتفقت مع غاري على عرض نظام CP/M مع الحاسوب، وقد وافق غاري على بيع نظام مايكروسوفت مع أنه يؤمن بأن تقنياته سرقت من نظامه، آي بي أم تركت الخيار للمشترين في تحديد أي نظام تشغيل يريدون، فعرضت نظام مايكروسوفت دوس بسعر 40 دولاراً وعرضت CP/M بسعر 240 دولار، بالطبع السوق اختار الأرخص.

شارك غاري في تقديم Computer Chronicles، البرنامج الذي كانت تعرضه قنوات PBS في أمريكا والذي ترجم إلى لغات عدة منها العربية، وبرمج لغة لوغو لنظام التشغيل CP/M، وطور كذلك واجهة رسومية تسمى اختصاراً GEM، وفي عام 1985م قام بإنشاء شركة للأقراص المدمجة وقام بطرح أول موسوعة رقمية للحاسوب، وفي عام 1991م قام ببيع شركته لشركة نوفل.

توفي غاري في عام 1994م، الكثير من الناس لا يتذكرونه مع أنه أحد الذين مهدوا الطريق لما نراه اليوم في عالم الحاسوب، كان لدى غاري حاسوبه المحمول في بدايات السبعينات وقد كانت فكرة الحاسوب الشخصي في ذلك الوقت مجرد حلم، وقد طور اول نظام تشغيل أصبح معياراً قياسياً للحواسيب الشخصية، وأول لغة برمجة للحواسيب الشخصي وطور العديد من الخوارزميات والأفكار التقنية التي تتعلق بالحواسيب الشخصية.

غاري كان عالم حاسوب لا رجل أعمال ، شخص يحب التعاون لا التنافس، لم يكن يرى أي مشكلة في أن يخبر بيل غيتس والآخرين عن ما يعمل عليه وما ينوي إنجازه، شخص يستحق التقدير مثل آخرين في عالم الحاسوب لم يجدوا أي تقدير، من المؤسف حقاً أن نقرأ ونسمع من يقول بأن شخصاً واحداً بنى عالم الحاسوب الحديث بينما هناك مئات الأشخاص الذين قدموا إسهامات كثيرة لا يتذكرهم إلا القليل من الناس.