السبت، 12 مارس، 2005

دروس صغيرة في الإدارة

ما أحوجنا للإنسانية في تعاملاتنا، خصوصاً في مجال الإدارة، من الخطأ أن تتعامل الإدارة مع الموظفين على أساس أنهم موظفين فقط، بل يجب أن تتذكر بأنهم بشر، لديهم أحاسيس وأفكار وآراء، ينشطون في بعض الأيام ويصيبهم الخمول في أيام أخرى، يفرحون ويحزنون، يصيبهم المرض من حين لآخر، أناس وليسوا آلات أو مجرد أرقام، وعلى الإدارة أن تعامل موظفيها على أنهم شركاء وليسوا موظفين، ويعني ذلك أن تخبرهم بكل شيء وتكون صريحة معهم في كل شيء، وتحاورهم دائماً وتحاول معرفة آرائهم وأفكارهم، هكذا تكون بيئة الإدارة صريحة منفتحة لا مجال فيها لسوء الفهم أو التسلط، هكذا يشعر الموظف بأنه شخص له أهمية في المؤسسة.

والإنسانية في التعامل تعني أن الإدارة يجب أن تتعامل مع موظفيها على أساس أنهم أناس يتحملون مسؤولياتهم وجديرون بالثقة، فلا تضع لوائح وأنظمة تعقد العلاقة بين الموظفين والإدارة، يجب أن تقلل المؤسسات من تعقيد قوانينها الداخلية وهذا يعني التخلي عن الكثير منها في سبيل إيجاد بيئة تحترم إنسانية الموظف، هناك مؤسسات ليس فيها أي لوائح، مجرد بطاقة صغيرة يأخذها الموظف عندما يستلم العمل وفيها بضعة تعليمات تشجعه على المبادرة وبذل الجهد، بينما نجد في مؤسساتنا قوائم طويلة بالممنوعات والقوانين.

أتذكر أن رجلاً هندياً يعمل فراشاً في إحدى المؤسسات حدثني عن طلبه للإجازة، فهو لم يسافر إلى أهله منذ سنوات وفي رصيد إجازاته أربعة أشهر لم يستغلها بعد ومن حقه أن يأخذها كلها دفعة واحدة إن أراد، لكن المسؤول عن شؤون الموظفين رفض أن يعطيه أكثر من شهر واحد لأن "اللوائح والقوانين" تمنع ذلك، الرجل لم يأخذ إجازة في السنوات الماضية لأنه أراد أن يعود إلى بلاده في نفس الوقت الذي يعود فيه إخوانه الذين يعملون في دول أخرى والذين لم يرهم منذ عشر سنوات كما أخبرني! حاولت أن أدله على طريقة ليتجاوز بها هذه القوانين الظالمة والحمدلله أنه حصل على شخص يتوسط له وأخذ أربع أشهر إجازة.

هناك عشرات المواقف الأخرى التي يحاول فيها المسؤول أو الموظف تطبيق القانون في حال أن الذي سيطبق عليه القانون سيتضرر، لكن للأسف نحن نقدم القوانين ونطبقها على المساكين ولا نفكر في الضرر الواقع عليهم، وفي نفس الوقت نتجاوز هذه القوانين ولا نطبقها على فلان وعلان من الناس لأنهم يملكون واسطة أو هم أبناء فلان ابن فلان.

ومن الإنسانية أن تتذكر الإدارة أن الأوراق والإجراءات والتواقيع والأختام والتقارير كلها "هراء" وأمور شكلية ومجرد وسائل لا أكثر، إن كان المدير ينفق من وقته يومياً على مثل هذه الأمور أكثر من ساعة فهو لا يستحق هذه المسؤولية، العمل الحقيقي هناك في مكاتب الموظفين، في المصنع وبين الآلات، العمل الحقيقي هو ما يقوم به الفراش والبواب وموظف الاستقبال وكل موظف آخر يتعامل مع الزبائن، العمل الحقيقي هو أن ينزل المدير من برج الوهم الذي بناه لنفسه ويجلس مع أصغر موظف في مؤسسته ويتحدث معه ويمازحه ويحاول أن يعي دوره ويحل له مشاكله.