الاثنين، 18 يوليو، 2005

كتاب: قرن التقنية الحيوية

مؤلف الكتاب هو [جيرمي ريفكن](http://en.wikipedia.org/wiki/Jeremy_Rifkin)، الذي نشر العديد من الكتب والمقالات حول العلم والأخلاق، كتاب قرن التقنية الحيوية يطرح أسئلة كثيرة حول [الجينات](http://en.wikipedia.org/wiki/Gene) وتأثيرها على حياتنا، حينما اكتشفت الجينات وبدأ العلماء في دراسة فوائدها والإمكانيات التي توفرها، بدأ العلماء في إجراء تجارب كثيرة، من أشهرها الاستنساخ والنعجة [دولي](http://en.wikipedia.org/wiki/Dolly_the_sheep)، لكن دولي ما هي إلا جزء صغير من عالم الجينات الكبير.

الكتاب يطرح قضايا أخلاقية مهمة، فمثلاً تسعى الكثير من الشركات المتخصصة في التقنيات الحيوية في تسجيل براءات اختراع لأجزاء من جسم الإنسان، فبعض الشركات حصلت على براءات اختراع لجينات معينة، أو لأي مخلوقات ثديية تحوي خلايا أو جينات مسببة للسرطان، المشكلة هنا أن الملكية الفكرية تطبق على كائنات حية، على أشياء لم يخترعها الإنسان بل اكتشفها، فكيف يمكن لشركة ما أن تحتكر استخدام خلايا الحبل السري الذي يستخدم كعلاج لبعض الأمراض؟ هذه الخلايا ليست من اختراعهم بل هي خلق الله كما نعتقد نحن المسلمون، فهل يحق لأحد أن يحتكر شيئاً لم يخترعه؟ تبدو الإجابة واضحة هنا، لكن الشركات تجادل بأنها أنفقت الكثير على الدراسات والأبحاث وهي لا تحتكر الخلايا نفسها بل طريقة استخدامها في علاج الأمراض، وللأسف شكلت هذه الشركات مجموعات تضغط على الرأي العام وعلى الساسة وصناع القرار وتستغل أناساً مصابين بعاهات وأمراض لكي تؤثر على الناس بالعواطف، وتظهر نفسها بمظهر الشركة الراغبة في مصلحة الناس وهؤلاء المرضى.

ولا يقتصر الأمر على جسم الإنسان والحيوانات، بل هناك شركات زراعية قامت بتعديل جينات بعض النباتات لكي تجعلها أكثر مقاومة للأمراض، وأكبر حجماً وأسرع نضجاً، لكن هذا التطوير يجعل التنوع الجيني مهدداً، لأننا في المستقبل قد نجد أنفسنا نتعامل مع أنواع محدودة من النباتات وكلها متشابهة جينياً وقد يأتي مرض ما فيقضي عليها نهائياً، ولكم أن تتخيلوا المحاصيل الزراعية وقد دمرت، من أين سيأكل الناس؟ وهل سيؤدي ذلك إلى زيادة عدد الفقراء والجوعى والمجاعات؟

النقطة الثانية هي أن الشركات المهتمة بالبذور والجينات النباتية تذهب إلى البلدان الغنية بالغطاء النباتي كالهند ودول أمريكا الجنوبية والدول الاستوائية، وتعتمد على خبرات وثقافة الناس في هذه المناطق، فمثلاً هناك نبتة يستخدمها الهنود منذ مئات السنين لعمل مبيد حشري فعال، هذا المبيد طبيعي ولا يؤثر على البيئة، جاءت شركة ما ودرست النبتة وحصلت على المادة التي تكون المبيد الحشري، ثم سجلت براءة اختراع لهذا المبيد وربحت الملايين ولم يستفد الهنود شيئاً من احتكار هذه الشركة، القضية هنا أخلاقية، كيف لشركة أن تستغل ثقافة وخبرة شعب ما وتربح الملايين من هذه الخبرة ثم لا تقدم شيئاً في المقابل، ثم هل يحق لها أن تحتكر ما كان الناس يعتبرونه ثقافة عامة متاحة للجميع منذ مئات السنين؟

ننتقل إلى قضية أخطر، وهي تحسين النسل، في بدايات القرن العشرين ظهرت حركة تحسين النسل في أوروبا وأمريكا، وبالتحديد ألمانيا النازية، وقد كان الكثير من الناس يؤمنون بأن تعقيم المجرمين وأصحاب العاهات أو حتى التخلص منهم سيجعل المجتمعات أكثر قوة وحيوية وسيدفعها للأمام وسيقلل ذلك من الجرائم، والتعقيم هنا يعني إجراء عملية ما للشخص تحرمه من حق التناسل والإنجاب، وبعد الحرب العالمية الثانية تراجعت أفكار تحسين النسل هذه إلى أن اكتشفت الجينات وعادة بقوة، الآن يمكن للأبوين تقرير ما إذا كان من الأفضل إنجاب الطفل أو التخلص بناء على تحليل الجينات، وظهرت دراسات تقول بأن هناك فئات معينة من الناس لديهم قابلية أكبر للإصابة بأمراض معينة بناء على جيناتهم، وبدأت تظهر ممارسة تمييز عنصري بناء على الجينات، فقد ترفض شركة ما توظيف شخص ما بناء على تحليل الجينات، وهناك شركات قامت بإحالة بعض موظفيها إلى التقاعد على أساس تحليل جيناتهم، لأنها تعتقد أنهم سيكلفونها الكثير من المال على الرعاية الصحية التي __قد__ تضطر لتوفيرها لهم.

الكتاب كما قلت يثير الكثير من الأسئلة ولا يقدم إجابات كافية، الجينات والعبث بها تثير الكثير من القضايا الأخلاقية هنا، فهل يحق للإنسان العبث بما خلقه الله؟ هل يحق للإنسان أن يحسن نفسه جينياً في حين أن الله خلقه على صورة معينة؟ الجينات تثير سؤالاً مهماً: هل الإنسان وحياته شيء مقدس أم مجرد سلعة وشيء يمكن النظر له على أنه فائدة منفعية؟

قد يستغرب البعض من طرح مثل هذا السؤال وهذه القضايا، لأننا في مجتمع مسلم محافظ تبدو لنا بعض القضايا واضحة ولا تحتاج إلى جدال، لكن دعونا لا ننسى أن ما يحدث في الغرب سيؤثر علينا بشكل أو بآخر، الأمم المتحدة والولايات المتحدة تسعيان لفرض بعض المعايير والمبادئ على أنها مبادئ عالمية __يجب__ أن يقبل بها الجميع بغض النظر عن اختلاف الأديان والثقافات، فهل سنرى اهتماماً من قبل العامة بمثل هذه القضايا على تمس كل مقدس لديهم؟