الخميس، 28 يوليو، 2005

كتاب: اليوم الأول قبل هوريشيما وبعدها

هذا الكتاب هو أحد الكتب القليلة التي اشتريتها بمجرد رؤية الغلاف، وكان علي أن أتذكر الحكمة التي تقول: _لا تحكم على الكتاب من غلافه_، كنت أظن بأنني سأقرأ في الكتاب أخباراً ومشاهدات عن [هوريشيما](http://en.wikipedia.org/wiki/Hiroshima) قبل إلقاء القنبلة الذرية عليها وبعدها، لكن عنوان الكتاب لم يكن دقيقاً في وصف المحتويات، فالكتاب يتحدث عن جهود العلماء في تطوير السلاح النووي وعن خطة إلقاء القنبلة على هوريشيما وعن التنافس العالمي على هذا السلاح الرهيب، وعن المشاهد المروعة في المدينة المدمرة، كتاب اشتريته وأنا مدرك تماماً أنني سأقرأ عن أمور فضيعة لا أستطيع تحملها، لست من الذين يتحملون رؤية الدماء والقتل أو حتى القراءة عنها.

الكتاب من إصدارات المجمع الثقافي، ومؤلفه هو بيتر وايدن.

البداية مع العالم الكبير [أرنست رثرفورد](http://en.wikipedia.org/wiki/Ernest_Rutherford) الذي كان يعتقد أن الطاقة الذرية محض هذيان، كلمة الذرة (Atom) في اللغة الإنجليزية جاءت من Atomos في الإغريقية، وتعني ما لا يمكن تقسيمه، لكن الذرة قسمت وهذا الانقسام يولد طاقة هائلة.

جاء شاب مجري اسمه [ليو زيلارد](http://en.wikipedia.org/wiki/Leo_Szilard) إلى مكتب رثرفورد ليناقشه حول احتمالات إيجاد طاقة ذرية فانتهى اللقاء بطريقة غير ودية، فقد قذف فورد بزيلارد خارج مكتبه! لكن زيلارد لم ييأس، واستخرج براءة اختراع تصف التفاعل المتسلسل، وكان عليه أن يبحث عن المادة القابلة للتجزئة من بين 92 مادة، كان هذا عملي روتيني بالنسبة لزيلارد الذي يمقت الأعمال المملة، ولم يبدأ زيلارد في العمل الجاد على القنبلة النووية إلا في عام 1939م عندما وصل إلى أمريكا والعالم دخل أو أجبر على الدخول في الحرب العالمية الثانية التي بدأها هتلر.

غزو القوات الألمانية لدول أوروبا أجبر علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرهم على الهجرة إلى الولايات المتحدة، أجتمع هؤلاء في مشروع سمي أس 1، الذي تحول إلى [مختبرات لوس ألموس](http://en.wikipedia.org/wiki/Los_Alamos_National_Laboratory)، هذه المختبرات جمعت آلاف العمال والموظفين والعلماء لينتجوا سلاحاً قوياً مدمراً، لم تكن المهمة سهلة، كان هناك تضارب في المصالح وصراع إرادات، كانت تكلفة المشروع مرتفعة ويجب أن تبرر أمام الكونجرس الأمريكي في حال لم تظهر نتائج مفيدة لهذا الإنفاق الكبير من أموال دافعي الضرائب، كان الساسة يضغطون من أجل ظهور السلاح واستخدامه لإنهاء الحرب، فقد ظنوا أن ألمانية النازية ستقوم باستخدام السلاح قبلهم إن لم يستخدموه هم.

تبين في ما بعد أن المشروع الألماني لإنتاج قنبلة نووية فشل، لم تعد ألمانيا تشكل خطراً بعد أن اجتاحتها ودمرتها قوات الحلفاء، كانت أمريكا تواجه عدواً آخر وهي اليابان، التي هاجمت ميناء بيرل هاربر في جزر هاواي، وخاضت ضدها معارك عنيفة، كانت الحكومة الأمريكية تدرس الخيارات المتوفرة لإنهاء الحرب مع اليابان، فإما أن تجتاح اليابان وهذا يعني خسائر في الأرواح قدرت بخمسمائة ألف جندي، وإما أن تنهي الحرب سلمياً وهذا يعني القبول بشروط اليابانيين.

تمكنت مختبرات لوس ألموس من إجراء أول تجربة لتفجير نووي في عام 1945م، وفي السادس من أغسطس من نفس العام وفي الساعة الثامنة والربع صباحاً ألقيت القنبلة الذرية الأولى على هوريشيما، وقد كان مخططاً لها أن تقع على جسر في وسط المدينة، لكنها وقعت فوق مستوصف الدكتور شيما الذي تبخر تماماً بمن فيه،مات على الفور 88% من السكان الواقعين في دائرة قطرها 1500 قدم، ومات الآلاف من الحرارة والحرائق والإشعاع النووي في الأيام والأسابيع التي تلت الانفجار.

كان هناك جهل واسع حتى بين العلماء في أمريكا بتأثيرات الإشعاع القاتلة، لا أعتقد أن أحدكم يريد قراءة ما حدث للناجين في هوريشيما، الكاتب جاء بتفاصيل جعلتني أشعر بالصداع والغثيان، يكفي أن الناس أصيبوا بصدمة ولم يعد أكثرهم يعرف ماذا يفعل أو أين يذهب، في هذا الوقت الحرج جاءت مبادرات من أشخاص ساهمت في التخفيف من حدة الكارثة، [شنزو هاماي](http://en.wikipedia.org/wiki/Shinzo_Hamai) ساهم في توفير الغذاء والملابس للناس، أطباء حولوا بعض المباني إلى مستشفيات لعلاج الناس، الجند والشرطة ساهموا في تنظيم الحركة وحرق الجثث التي تراكمت في كل مكان وغص بها النهر.

بدأ [الامبراطور الياباني](http://en.wikipedia.org/wiki/Emperor_of_Japan) في محاول لإقناع وزراءه لكي يستسلموا، لكن تقاليد المحاربين القدامى كانت مسيطرة على الجيش، وهذا يعني إما النصر وإما الموت في ساحة المعركة، أراد الإمبراطور [هيروهيتو](http://en.wikipedia.org/wiki/Hirohito) الحفاظ على حياة الناس، وبكى أمام وزراءه حينما أعلن قرار الاستسلام، وإبداء المشاعر في الثقافة اليابانية أمر نادر ومعيب، بكى وزراءه ولكن جاء قرارهم متأخراً، ألقيت القنبلة الثانية على نجازاكي، أصر الإمبراطور على إلقاء كلمة مباشرة في الإذاعة يبث فيها قرار الاستسلام، لم يوافق موظفوا الإذاعة على ذلك، فالإمبراطور يعد في نظرهم إلهاً، لكنهم سجلوا الكلمة وأذاعوها، كانت صدمة لليابانيين الذين لا يعرفون الاستسلام، لكن فرح الكثير منهم لأن الجحيم النازل عليهم سيتوقف، كانت القوات الأمريكية قد دمرت مدينة طوكيو بقنابل النابالم وأحرقتها.

كانت مدينة كويوتو هي الهدف الرئيسي للقنبلة، لكن السياسيين رأوا أن للمدينة مكانة تاريخية ودينية عند اليابانيين، وتدميرها سيضر بسمعة أمريكا الأخلاقية.

اليوم لم تعد هوريشيما مدينة مدمرة، بل مدينة حديثة راقية، لم يبقى من أثار الدمار شيء سوى مبنى القبة الذي احتفظ به كذكرى للكارثة.

عندما ألقى الجنود القنبلة الأولى ورأوا الدمار الذي أحدثته كتب أحدهم في مذكراته: "يا إلهي ... ماذا فعلنا؟"، وأبدى بعض العلماء مخاوف كبيرة من هذا السلاح الجديد، بعضهم قال بأن هذا يوم أسود سيتذكره التاريخ، حاول بعضهم أن يشكل مؤسسة دولية تتحكم بهذا السلاح وأسراره وتمنع استخدامه إلا لأغراض سلمية، لكن الساسة أوقفوا هذه المحاولات، وبدأ التنافس بين الروس والأمريكان على تطوير هذا السلاح، حتى العلماء الذين اخترعوا القنبلة الأولى في لوس ألموس وقعوا عريضة تعبر عن رفضهم لسباق التسلح، اليوم هناك قنابل تستطيع أن تفجر 1200 هوريشيما مرة واحدة خلال ثانية واحدة أو أقل.

كتاب زاخر بالتفاصيل الكثيرة التي قادت العالم إلى عصر جديد، هل تعلمنا شيئاً من هوريشيما؟ لا، ربما اليابانيون وحدهم هم الذين وعوا الدرس وبنوا دولتهم من جديد على أسس جديدة، لكن العالم اليوم في سباق محموم لامتلاك هذا السلاح المدمر، أنفقت المليارات على تطوير هذه الأسلحة، لو أنفقت على العالم لكانت حياتنا أفضل، وصل الإنسان إلى القمر ولا زال بعض الناس يموتون جوعاً، لا زال غباء السياسة يؤثر على حياتنا بشكل مدمر.

>لا أعرف السلاح الذي سيستخدم في الحرب العالمية الثالثة، لكنني أعرف أن الناس سيستخدمون العصي في الحرب العالمية الرابعة.
>
>آينشتاين