الجمعة، 9 سبتمبر، 2005

المجرم الأكثر خطورة: النظام التعليمي

في صفحة [سيرة ذاتية](/about/) ستجدون جملة أقول فيها أنني أكره الدراسة، ولا زلت أكره الدراسة بشدة، وقبل أن يقفز أحدكم علي محتجاً على مثل هذا الكلام، دعونا نفرق بين العلم والدراسة، أنا أحب العلم والتعلم والتعليم، وأجد متعة كبيرة في القراءة وتعليم الآخرين وفي الحوار مع الآخرين حول شتى المواضيع، لكن الدراسة التي تتمثل في الجلوس في فصل ما والاستماع إلى مدرس ما والالتزام بقوانين المدرسة والجامعة فهذا ما أبغضه من كل قلبي.

لماذا كل هذه الكراهية للنظام التعليمي؟ لأن التعليم يمارس أكبر جريمة في حق الطلاب، يكون الطفل مبدعاً له خيال لا يحده شيء، مفكر لديه فضول ويريد معرفة كل شيء، يسأل كثيراً وللأسف الكثير من الناس لا تعجبهم كثرة أسئلة أبنائهم، لديه طاقة وحيوية، وتحدث الجريمة عندما يدخل إلى المدرسة، عليه الجلوس على كرسيه وعليه ألا يقاطع المدرس وأن يلتزم بالمنهاج وأن يتلقى المعلومات دون أن يشارك في فهمها واكتشافها، عليه أن يتلزم بالإجابة الواحدة التي تأتي في الكتاب ولا يكتب غيرها في الامتحان وإلا لن يحصل على العلامة الكاملة، ينتقل هم الطالب من اكتساب العلم وإشباع فضوله إلى الدراسة من أجل الامتحان.

تمضي الأعوام وهو على نفس الحال، نظام تعليمي لا يشجع التفكير والإبداع والاكتشاف، وبعد ما يزيد عن عشر سنوات يخرج إلى الجامعة التي لن تختلف كثيراً عن المدرسة إلا في كون الطالب مسؤول الآن مسؤولية كاملة عن إنجاز الساعات المقررة، يختار أي تخصص وليس التخصص الذي يحبه، قد يختار التخصص لأن الجميع يفعل ذلك، أو لأن أصدقاءه اختاروا هذا التخصص، يتخرج من الجامعة إلى سوق العمل الذي لا يحتاج تخصصه ويبحث عن كفاءات مفكرة مبدعة لديها إنجازات.

في سنوات التعليم يقتل الإبداع والفضول، ويخرج الطالب دون مواهب، فالمدارس لا تعلم الطالب مهارات التفكير مثل النقد والمنطق والإبداع والتفكير العملي، ولا تعلم الطالب مهارات التواصل الأربع: القراءة، الكتابة، الاستماع والتحدث، ولا تعلمه كيف يخطط لنفسه ويستغل وقته، بل تكتفي بحشو المعلومات وإلقاء النصائح عليه التي ينساها فور خروجه من الفصل أو المدرسة.

لا أجد في النظم التعليمية الحالية ما يجعلني أشعر بالتفاؤل، الحال لم يتغير كثيراً، لا زالت مشاكل التعليم تتكرر عاماً بعد عام ولا زلنا نكتب عن هذه المشاكل كأننا نكتب عنها لأول مرة.

ما الذي دفعني لكتابة هذا الموضوع؟ قرأت في موقع [Creating Passionate Users](http://headrush.typepad.com/creating_passionate_users/) موضوعاً بعنوان [Most classroom sucks](http://headrush.typepad.com/creating_passionate_users/2005/01/most_classroom_.html) وبترجمة حرفية: معظم الصفوف الدراسية سيئة، صاحبة الموقع تذكر تجربتها الشخصية مع ابنتها التي كانت محظوظة في دخولها مدرسة ابتدائية متميزة، هذه المدرسة لا توجد فيها فصول دراسية، يمكن للطلاب الجلوس على الأرض أو على طاول المطبخ أو في أي مكان آخر في المدرسة، المدرسون لا يقفون أمام الطلاب ليعطوهم دروساً معدة من قبل، ووظيفتهم الأساسية ليست التدريس بل التوجيه، وليس هناك واجبات منزلية.

كيف يتعلم الطالب في هذه المدرسة؟ في بداية العام الدراسي يختار الطالب مشروعاً ومن خلال هذا المشروع يتعلم اللغة والحساب والتاريخ والجغرافيا، إذا أراد الطالب مساعدة يتوجه إلى أي مدرس، وإذا كان هناك بضعة طلبة يسألون عن نفس الأمر يذهب بهم المدرس إلى غرفة اجتماعات لكي يرشدهم لا ليلقنهم.

المشاريع يختارها الطلاب حسب ميولهم، فمثلاً أحد الطلاب يحب الدينصورات، لذلك كان مشروعه في العام الأول يدور كلياً حول هذه المخلوقات، وبمساعدة مدرسه صمم نظاماً تعليمياً خاصاً به لكي يتعلم المزيد عن هذه المخلوقات، في نفس الوقت يتعلم الرياضيات عن طريق حساب أطوال هذه الحيوانات وأحجامها وأوزانها، ويتعلم الجغرافيا بمعرفة مواطن عيش هذه المخلوقات، وبكل تأكيد عليه أن يتعلم اللغة لكي يقرأ في المصادر التي تتحدث عن مثل هذه المشاريع.

الطفل كما تقول الكاتبة لا تحفزه الجغرافيا، بل ما يحفزه هو الدينصورات وهي الوسيلة التي يتعلم من خلالها الجغرافيا.

هذا المشروع هو فقط للعام الأول، وعليه في العام الثاني أن يختار مشروعاً آخر، هكذا يتعلم الطلاب، وفي الامتحانات كان طلبة هذه المدرسة متفوقون مع أن نظامهم الدراسي لا يعطيهم علامات ولا واجبات.

بعد السنة السادسة انتقلت ابنة صاحبة الموقع إلى مدرسة عامة حكومية، وهنا بدأت البنت الصغيرة تدرك كم كانت محظوظة في مدرستها السابقة، ففي المدرسة العامة لا يتعاملون مع الطالب كشخص مفكر، بل كشخص يجب أن يلتزم بالنظام ويتلقى ما يعطى له دون شكوى.

لا أخفي عليكم أنني أشعر بالأسى عندما أقرأ عن تجارب تعليمية رائعة، لأنني أرغب وقتها في أن يعود الزمن إلى الوراء وأدرس في مثل هذه المدارس الرائعة، لا زلت أشعر بالغضب والحزن من تجربتي مع المدارس، لا زلت أذكر كل موقف محزن واجهته في سنوات الدراسة، ولم أكن وقتها من النوع الذي يعلو صوته بالشكوى، كنت أبتلع الإهانات دون أشتكي إلا مرات قليلة.

لا فائدة الآن من اجترار الماضي، أمامنا الآن نظام تعليمي يحتاج إلى إصلاح جذري، يجب أن تهتم وزارة التعليم بالمرحلة الابتدائية أكثر من المراحل الأخرى، ما حدث في السنوات الماضية من التركيز على المرحلة الثانوية كان خطأً كبيراً في رأيي، المرحلة الابتدائية أكثر أهمية.

ولا زال هناك الكثير يمكن التحدث عنه حول التعليم، لكن أكتفي بهذا القدر.