السبت، 22 يوليو، 2006

التعليم المنزلي

بيئة التعليم تقتل الإبداع والأخلاق ولا تعلم الطالب المهارات الحياتية التي يحتاجها لمواجهة الحياة، فلماذا يرغب أي شخص أن يلحق أبناءه بأي مدرسة؟ لماذا يثق البعض بالمدرسة أو المدرسين ويترك أطفاله لثمانية ساعات يومية في مكان غريب وأمام أشخاص غرباء لا يعرفهم؟ لا يمكن لأي شخص أن يتأكد من قدرة المعلم على تربية الطلاب أو تعليمهم بمجرد النظر إليه مع ذلك البعض يثق بهم والبعض لا يهمهم شيء، المهم أن يتخلصوا من أطفالهم ويمارسوا عادة روتينية تناقلتها الأجيال وربما لا يعد أحد يتذكر لماذا يجب أن نذهب إلى المدرسة.

لا أقول هنا أن المدرسين غير جديرين بالثقة، لكن أنظر للأمر من وجهة نظر أب مهتم بأطفاله، كيف يمكن لهذا الأب أن يثق بالمدرسين وهو لا يعرفهم؟ حتى لو وثق بهم كيف يمكن لأي شخص منا أن يثق في بيئة التعليم وهي بيئة فاسدة ولا تربي ولا تعلم؟ شخصياً فكرت في هذا الموضوع كثيراً، لو رزقني الله بأطفال لن أدخلهم المدرسة مهما كانت النتائج، أعلم أن البعض الآن سيقفز نحو نموذج إضافة الرد لكي يعلق فقط على هذه النقطة وينسى كل شيء.

مرة أخرى أريد أن أجعل هذه الفكرة واضحة، بيئة التعليم فاسدة لا تربي ولا تعلم، هذا ما أراه، لكن إن رزقني الله بولد سأضطر إلى تعليمه، فهل سأدخله هذه البيئة التي أعتقد يقيناً أنها ستفسده؟ بالتأكيد لا.

هناك حل وهذا الحل يمارس في دول كثيرة حول العالم وبعض الدراسات بينت أنه حل أكثر فعالية من التعليم الرسمي، كما أن هذا الحل كان يمارس في العالم قبل ظهور أنظمة التعليم الإلزامية في القرن التاسع عشر الميلادي، الحل هو التعليم المنزلي.

التعليم المنزلي لا يعني أن يأخذ الطالب كتبه من المدرسة ويذاكر في المنزل بنفسه ثم يؤدي الامتحانات في المدرسة ويحصل على شهادته، هذا النظام مطبق هنا في الإمارات لكنه يختلف عن التعليم المنزلي الذي أريد التحدث عنه.

مدرسة المنزل

الكثير من الآباء حول العالم قرروا تعليم أبناءهم في المنزل لأنهم يخشون عليهم من سلبيات بيئة التعليم الرسمي:

  • العنف: المشاجرات والعنف اللفظي وحوادث القتل المجاني.
  • الفساد الأخلاقي: يتعلم الطالب سيء الألفاظ والأخلاق وربما يتعرض للتحرش.
  • التعليم العلماني: بعض الدول تفرض تعليماً علمانياً بدون أي دروس دينية، أو تضيق على الرموز الدينية كالحجاب.
  • العنصرية: قد يتعرض الطالب للمشاكل بسبب لونه أو جنسيته أو دينه، وهذه المشكلة قد يتعرض لها الطالب من قبل الطلاب أو إدارة المدرسة.
  • قتل الإبداع والمهارات: المدرسة تفرض نظاماً معيناً وتقوم بتلقين الطالب ولا تعلمه التفكير أو أي مهارة أخرى.

لكل هذه الأسباب التي ذكرتها يفضل بعض الآباء تعليم أطفالهم في المنزل، لتجنب مشاكل التعليم الرسمي ولتوفير مستوى أعلى من التعليم وتوفير بيئة تناسب حاجات الطفل، بعض الأطفال قد تكون لديهم احتياجات خاصة، فبعضهم لديه مهارة أو ذكاء مرتفع، بعضهم يعاني من الإعاقة، وبيئة المدرسة العامة لا تتناسب مع احتياجات هؤلاء، بالتالي على الأبوين توفير بيئة تناسبهم والمنزل يمكن أن يكون البيئة الأفضل لهؤلاء.

التعليم المنزلي لا يلتزم بمنهاج معين، فيمكن للأسرة أن تعلم الطفل ما يرغب به، قد تركز العائلة على تعليم الطفل أشياء قد لا يتعلمها أبداً في أي مدرسة، قد تعطيه تعليماً بمستوى أعلى فيتفوق على أقرانه من طلبة المدارس، حسب ما قرأت في المواقع المهتمة بالتعليم المنزلي، هناك دراسات أمريكية تبين أن المتعلم في المنزل يتفوق على المتعلم في المدرسة ويسبقه بخمس إلى ست سنوات.

في المنزل قد يجد الطفل مصادر تعليم مختلفة لا يمكن أن يجدها في المدرسة وحتى لو وجدها قد لا يستطيع استغلالها نتيجة تزاحم الطلاب عليها، في المنزل يمكن أن تجد مكتبة حديثة، آخر المجلات والصحف، التلفاز ومشغل DVD والمذياع، حاسوب وشبكة الإنترنت، ألعاب ووسائل تعليمية مختلفة، يمكن للطالب أن يذهب مع أبويه إلى المكتبات فيشتري ما يشاء من مصادر تعليمية، والجميل هنا أنه سيشتري ما يرغب فيه لا ما يجبر على أن يقرأه أو يستخدمه.

لكن ... !

التعليم المنزلي له نصيب من السلبيات بالتأكيد، البعض يقول بأن التعليم المنزلي يعزل الطالب عن المجتمع، لكن أرى أن هذا تصور غير صحيح، ما هو المجتمع؟ إن كان تصورنا للمجتمع هو عشرات الطلبة في المدرسة فنحن نظلم الطالب ولا نعطيه فكرة صحيحة عن المجتمع.

الأفراد يشكلون المجتمعات، وفي كل مجتمع صغير لدينا أفراد مختلفون، فهناك الصغار والكبار، هناك الرجال والنساء، هناك بائع الصحف ورجل الأعمال، هناك إمام للمسجد ومدير للشركة، الطلبة في المدارس لا يتعاملون مع هؤلاء بل يتعاملون مع المدرسين وزملائهم من الطلبة، وهؤلاء جزء صغير من المجتمع.

في التعليم المنزلي يمكن تجاوز مشكلة التفاعل مع المجتمع بأن نجعل التفاعل مع المجتمع جزء من التعليم، يبدو لي هذا بديهياً! عندما أذهب بالطفل إلى المسجد سيتعلم كيفية التعامل مع المكان والناس في المسجد ويتعلم آداب المسجد، عندما أذهب به إلى السوق علي أن أعلمه كيفية التسوق وكيف يدير أمواله ولا يبذرها وكيف يتعامل مع الباعة والمشترين، عندما أذهب به إلى البحر أو الحديقة أو أي مكان سياحي علي أن أعلمه كيفية المحافظة على البيئة والنظافة وكيف يمكنه أن يتعلم من البيئة حوله، ففي المتاحف هناك معلومات حول التاريخ، وفي الحدائق معلومات عن الحيوانات والنباتات.

ولا بد أن تنظم مناسبات مختلفة يشارك فيها الطفل مع أطفال آخرين نشاطات مختلفة، لا بد أن يعرف أن الدنيا فيها أطياف مختلفة من البشر، ولكل رأيه ونظرته، وعليه أن يتعلم كيف يتعامل مع هؤلاء وأن يحترم حقهم في تبني آراء مختلفة.

إن توفر كل هذا في التعليم المنزلي فأعتقد أنه سيقدم تجربة اجتماعية أفضل بكثير مما تقدمه أي مدرسة.

هناك مشكلة أخرى وهي التكلفة، لكن هذا يعتمد كثيراً على ظروف العائلة، إذا اضطر أحد الأبوين إلى ترك العمل لتعليم أطفاله في المنزل سيؤثر هذا حتماً على مستوى دخل العائلة، من ناحية أخرى بعض العائلات وجدت أن التعليم المنزلي أقل تكلفة، فلا حاجة لشراء مستلزمات التعليم كل عام، ويمكن استخدام مصادر مجانية مختلفة.

بقي هناك مشكلة واحدة وهي المشكلة الأساسية، حسب ما أعرف - على الأقل هنا في الإمارات - التعليم المنزلي الذي لا يعتمد المنهاج الرسمي للمدرسة غير معترف به، وبالتالي لا يحصل الطالب على شهادة رسمية، وبالتالي ليس بإمكانه الإلتحاق بالجامعة، وبما أن المجتمع يقيم الناس حسب شهاداتهم وليس حسب مهاراتهم وخبراتهم فسيجد الطالب الذي تعلم في المنزل صعوبة في الحصول على وظيفة، في الغالب عليه أن يقوم بإنشاء مشروعه الخاص.

الحل هو أن نجعل التعليم المنزلي خياراً معترفاً به رسمياً، وأن يلغى شرط الحصول على شهادة ثانوية عامة للالتحاق بالجامعات، وأن يعاد النظر في طريقة توظيف الناس، طبعاً كل ما قلته في هذه الجمل الثلاث المختصرة بحاجة إلى نقاشات مطولة ليس هذا مكانها.

هل هناك مشكلة أخرى في التعليم المنزلي؟

إقرأ أيضاً: