الأحد، 3 ديسمبر، 2006

جيف راسكن وواجهة الحاسوب الإنسانية

عندما نعود للتاريخ نتعلم كيف وصلنا إلى هذا الواقع الذي نحن عليه، البعض عندما يدرس تاريخ أي شيء يطرح سؤالاً بسيطاً: ماذا لو حدث هذا الأمر بدلاً من ذلك كيف سيكون واقعنا؟ لنأخذ مثالاً صغيراً: ماذا سيحدث لو أن شركة كومودور نجحت في اكتساح سوق الحواسيب الشخصية، هل سيكون لدينا مايكروسوفت ولينكس وأبل؟ هل ستبقى الحواسيب أجهزة شخصية تأتي مع أدلة برمجة ويمكن لأي شخص أن يبرمجها؟

مثل هذه الأسئلة ليس لها إجابات محددة، لا يمكن أبداً أن نكون واثقين مما سيحدث اليوم لو أن الماضي تغير قليلاً، مع ذلك أطرح هذا السؤال: ماذا سيحدث لو أن جيف راسكن لم يخرج من شركة أبل ونجح في إنجاز مشروع ماكنتوش حسب تصوره الخاص؟

جيف راسكن ولد في نيويورك عام 1943م، حاصل على شهادة في الرياضيات والفلسفة من جامعة نيويورك وشهادة ماجستير في علوم الكمبيوتر من جامعة بنسلفينيا، اشتغل في وظائف مختلفة وكان يساهم بكتاباته في مجلات الحاسوب، في عام 1978م حصل على وظيفة في شركة أبل كمسوؤل عن المنشورات التي توزعها الشركة مع منتجاتها، بمعنى آخر أدلة الاستخدام، لكنه مع الأيام بدأ يشارك في مشاريع منتجات أبل وبدأ مشروع ماكنتوش في أوائل عام 1979م.

كان جيف يريد حاسوباً بسيطاً يمكن لأي شخص أن يستخدمه، ما دفعه لهذا التفكير هو حاسوب أبل 2 المشهور والذي لقي نجاحاً كبيراً، لكنه لم يكن مناسباً لمن لا يرغب في تعلم الجوانب التقنية للحاسوب، كان يريد حاسوباً يمكن لملايين الناس أن يستخدموه بدون أي صعوبات.

وضع جيف معايير محددة لحاسوب ماكنتوش لكي يكون سهل الاستخدام:

  • لا توجد منافذ داخل الجهاز لإضافة أجهزة ملحقة بالتالي لا يحتاج المستخدم إلى رؤية داخل الجهاز، بالتأكيد ستكون هناك منافذ خارجية لوصل الأجهزة.
  • ذاكرة ثابتة الحجم في كل الأجهزة حتى تعمل البرامج في كل الأجهزة.
  • الشاشة ولوحة المفاتيح وجهاز تخزين البيانات والطابعة إن أمكن ستصمم كلها لتعمل بتناغم مع بعضها البعض لتشكل نظاماً متكاملاً ويمكن للمبرمجين أن يتحكموا في شكل الواجهة.
  • يجب أن يكون الجهاز قطعة واحدة تحوي كل شيء يحتاجه المستخدم لكي يعمل الحاسوب (نفس فكرة جهاز iMac اليوم).

بعض هذه الأفكار لا تزال غير مطبقة بشكل صحيح في معظم أجهزة الحاسوب التي تباع اليوم، حتى الآن لا توجد شركة تصمم كل شيء لكي يعمل بتناغم تام إلا شركة أبل، فهي التي تصمم الأجهزة والبرامج ونظام التشغيل، البقية يأتون بجهاز من هنا وجهاز من هناك ونظام تشغيل من طرف آخر ثم يجمعون كل هذا في حزمة واحدة.

كان من المفترض أن يباع حاسوب ماكنتوش تحت إسم أبل في (Apple V) ويبدأ إنتاجه في سبتمبر من عام 1981م بسعر يصل إلى 500 دولار على أن ينخفض بعد مدة إلى 300 دولار، لكن ستيف جوبز كان أشد منتقدي هذا المشروع وظل لعامين ينتقده بشدة إلى أن أدرك أنه مشروع ناجح عندها بدأ في محاولة السيطرة عليه، حتى قرر في يوم ما أنه مسؤول عن الجهاز وبرامجه وأخبر جيف راسكن أن يهتم بالوثائق فقرر جيف أن يستقيل ويخرج من الشركة بشكل رسمي في عام 1982م.

كان تصور جيف لجهاز ماك مختلفاً عما طورته شركة أبل، لم يكن مقتنعاً بجهاز الفأرة وكان تصوره يعتمد كثيراً على لوحة المفاتيح ولديه قناعة أن لوحة المفاتيح تكفي لإنجاز الكثير من الأعمال وأنه أسرع وأكثر فاعلية، لكن مع خروجه تغير تصور أبل لجهاز ماكنتوش كلياً.

لم ييأس جيف وأسس في عام 1983م شركة سماها Information Appliance وبدأ في تطوير حاسوبه الخاص الذي يعتمد على أفكاره، وبعد أربعة سنوات من التطوير تعاون مع شركة كانون لكي تنتج هذا الحاسوب وكانت النتيجة هي حاسوب كانون كات بسعر يصل إلى 1945 دولاراً ولم يكن جيف يعتبره حاسوباً بل جهازاً أقرب للآلة الكاتبة.

كانون كات كان مختلفاً عن الحواسيب الأخرى في ذلك الوقت، فلم يكن يعتمد واجهة رسومية ولا سطر الأوامر بل واجهة مختلفة كلياً، لا تحوي برامج ولا إيقونات ولا تستخدم الفأرة، مع ذلك يمكنك إذا استخدمته أن تقوم بإنشاء الوثائق والجداول الإلكترونية والاتصال بالشبكة، قد بيع منه 20 ألف حاسوب خلال ستة أشهر وحصل على عدة جوائز تصميم وأعجب الناس به، ثم أوقفت كانون تصنيعه كلياً بدون أن تشرح الأسباب.

جيف تلقى خلال السنوات التي تلت إيقاف كانون كات مكالمتين مجهولتين، الأولى تقول بأن كانون كانت تنتج الآلات الكاتبة الإلكترونية وقد كان قسم الآلات الكاتبة يريد السيطرة على كانون كات لكن مدير كانون في أمريكا لم يعجبه الوضع فقرر وضع حد لهذا الخلاف وأوقف كانون كات.

المكالمة الثانية قالت أن إيقاف كانون كات سببه الأساسي ستيف جوبز، فبعد خروج جيف من أبل أخرج ستيف جوبز منها وأسس شركة نكست التي طورت منصة حاسوب جديدة كلياً، كانت شركة كانون مهتمة بهذه المنصة وأرادت أن تنتج حواسيب تعمل بنظام نكست، لكن ستيف جوبز طلب منهم أولاً إنهاء مشروع كانون كات.

قصة ستيف جوبز مشكوك في مصداقيتها لأن عاماً ونصف تفصل بين إيقاف كانون كات واستثمار كانون في منصة نكست.

أياً كان السبب في إيقاف كانون كات، يمكن أن أقول بأننا خسرنا حاسوباً يحوي أفكاراً رائعة كان بإمكانها أن تغير طريقتنا لاستخدام الحاسوب اليوم، فمثلاً لم يكن كانون كات يحوي زر تشغيل أو إغلاق، بل فقط قم بتشغيل الكهرباء وعندها يشتغل الحاسوب، وإذا تركته مدة معينة بدون عمل سيقوم بإغلاق نفسه، وقد كان هذا الحاسوب يعمل فوراً، فقط قم بالكتابة وستجد ما كتبته على الشاشة.

لست بحاجة لحفظ ملفاتك وتعقيد نفسك باختيار أسماء جيدة له لأن الحاسوب سيحفظها لك، وإذا تركت الحاسوب وعدت له بعد فترة وقمت بتشغيله ستجده يعطيك آخر عمل قمت به فيمكنك أن تكمل ما بدأته، وإذا أردت أن تصل إلى شيء ما كتبته سابقاً فكل مع عليك فعله هو أن تبحث عنه وستجده بسرعة كبيرة بفضل تقنية تسمى Leap وهي زران في لوحة المفاتيح يقعان تحت زر المسافة.

يمكنك أن تشاهد فيلم فيديو يبين لك كيف تعمل تقنية Leap، لاحظ كيف تسرع هذه التقنية من عملية الانتقال بين أجزاء النص وتعديله، ثم لا يوجد شيء اسمه برنامج، هناك نصوص وجداول وعناوين ويمكن الانتقال بينها بسرعة وتعديلها بدون تشغيل أو غلاق أي برنامج، بدون الحاجة إلى فتح أي ملف.

كما يمكن لكانون كات أن يقوم بأي عملية حسابية في أي مكان، لماذا لا تستطيع أنظمة التشغيل اليوم فعل ذلك؟ لماذا علي أن أقوم بتشغيل آلة حسابة منفصلة لكي أقوم بعمليات حسابية بسيطة؟ على أي حال شاهد الفيلم واحكم بنفسك وأنبه هنا إلى أن الفيلم بعد الدقيقة العاشرة لا يحوي شيئاً لذلك لا تضيع وقتك.

بعد إيقاف كانون كات توجه جيف نحو مجال الاستشارات وبدأ يعمل مع شركات عدة على تحسين واجهات الاستخدام لتكون مناسبة لعامة الناس، وفي عام 2000 نشر كتابه The Humane Interface، ثم بدأ مشروعاً لإعادة أفكار كانون كات إلى عالم الحاسوب مرة أخرى وسماه Archy، يمكنك أن تقوم بإنزال وتثبيت هذا البرنامج وتجربته، ولأنه يحوي أفكاراً مختلفة أنصحك ألا تستعجل الحكم عليه، لأنه لا زال في مراحله الأولى من التطوير ولأنه مختلف فعليك أن تقرأ كثيراً وتفهم قبل أن تحكم، يمكنك أن تشاهد العروض التجريبية لهذا البرنامج لكي تفهم فكرته.

جيف راسكن توفي فبراير 2005م وقام ولده Aza بإنشاء شركة تطبق أفكار أبيه وتطورها.

من المؤسف حقاً أن جيف لم يجد التقدير الكافي في عالم الحاسوب، ولم تجد أفكاره طريقها إلى حواسيب اليوم لأسباب كثيرة، لدي يقين أن الكثير من أفكاره يمكن أن نستفيد منها اليوم ونطورها لتتناسب مع ظروفنا وحاجتنا، دعونا من حواسيب اليوم وأنظمة تشغيلها، كأناس مهتمين بعالم الحاسوب لا بد أن ننظر في أفكار مختلفة ونجربها، أفكار لم نعرفها من قبل ولم نعتد عليها، لأن ما تعودنا عليه اليوم قد لا يكون هو الأفضل، لأن الماضي قد يحوي أفكاراً أفضل بكثير مما نستخدمه اليوم، فقط دعونا نجرب.

إقرأ المزيد:

  • كتاب: Apple Confidential 2.0، قصة شركة أبل منذ بدايتها وحتى اليوم، يحوي تفاصيل ما حدث في السنوات التي كان جيف راسكن يعمل لصالح شركة أبل.
  • كتاب: The Humane Interface، كتاب جيف راسكن، أنصح به لكل مبرمج ولكل من له علاقة بتطوير البرامج وأنظمة التشغيل وحتى الأجهزة، هذا الكتاب يحوي خلاصة أفكار جيف راسكن عن واجهة الاستخدام.
  • موقع جيف راسكن
  • صور لجيف، هذه الصور التقطت قبل وفاته بأيام.
  • فيلم جيف راسكن