الخميس، 24 يناير، 2008

شبكات BBS - الجزء الرابع

في عالم التقنيات البقاء ليس دائماً للأفضل، قد تكون الأسوأ لكنك تبقى لأسباب أخرى غير التفوق التقني، قد تملك مالاً كثيراً أو سلطة أو آلة تسويقية ضخمة، قد توقع صفقة تغير كل شيء فتقفز بك من شركة صغيرة إلى عملاق يهدد الجميع، هناك الكثير من التقنيات التي ماتت ولا يعرف عنها إلا القليل من الناس، تقنيات هي بالفعل الأفضل والأكثر تطوراً أو الأكثر كفاءة لكنها ماتت لأسباب مختلفة، هناك إنجازات تقنية رائعة تستحق أن نلقي عليها نظرة ونتعلم منها.

شبكات BBS انتشرت بشكل كبير حول العالم، لكن هناك من كان لديه هدف أكبر من شبكات منفصلة فقام بتصميم شبكة تربط بين شبكات BBS وسماها FidoNet وكان شعارها كلب يحمل قرصاً مرناً، Tom Jennings هو من صمم هذه الشبكة بحيث يمكن لأي شخص يملك BBS من أن يشترك في فايدونت، والهدف من هذه الشبكة هو التواصل، يمكن أن تقول بأنها منتدى كبير على مستوى العالم.

في البداية كانت فايدو مقتصرة فقط على أمريكا وكانت كل شبكة BBS تراسل بقية الشبكات، كانت هناك قائمة يحتفظ بها توم ويديرها يدوياً، بعد ذلك أدار القائمة شخص آخر وأصبحت رقمية لكن عدد الشبكات المشاركة وصل إلى 230 وأصبح الأمر معقداً فلا يعقل أن تتصل كل شبكة بكل شبكة أخرى، لذلك أعيد تصميم الشبكة وقرروا التحول من النظام القديم إلى النظام الجديد في نفس اليوم وفي نفس الوقت، كان الجميع متخوفاً من فشل العملية لأن هناك ألف شيء يمكن أن يتوقف ولا يعمل بشكل صحيح، مع ذلك نجحت العملية بدون أي مشاكل.

النظام الجديد يعتمد على فكرة node أو أقطاب مركزية وظيفتها أن تكون نقطة اتصال بين مجموعة من شبكات BBS، ثم قسمت الشبكة لتصبح عالمية، فهناك 6 نطاقات حول العالم تسمى zone - الإمارات ودول الخليج واليمن كلها في النطاق 2 الأوروبي! - وكل نطاق يحوي أقاليم متعددة، فمثلاً أوروبا تقسم إلى قطاعات "region" بحسب الدول، كل قطاع له شبكة وكل شبكة لها أقطاب مركزية تربط بين شبكات BBS، هذا النظام الجديد بقي يعمل ولا زال يعمل منذ ما يزيد عن عشرين عاماً.

يبدو الأمر معقداً لكنه في الحقيقة بسيط، المشكلة هنا أن هذا التنظيم الهرمي كان يحتاج إلى تدخل بشري لإدارته، وعندما يتدخل الناس مع أهوائهم السياسية فإنهم يفسدون كل شيء وسنرى ذلك لاحقاً.

شبكة فيدو كانت تحوي في عام 1984 على 132 قطباً مركزياً، وتنامى عدد الأقطاب ليصبح أكثر من 35 ألفاً في عام 1995م! هذه أكبر شبكة تطوعية في التاريخ، لاحظوا أن من قام بإنشاءها أناس متطوعون في أوقات فراغهم وباستخدام حواسيبهم الشخصية، وصلت الشبكة إلى كل مكان في العالم تقريباً، واشتهرت في روسيا ودول الاتحاد السوفيتي، كانت هناك مؤسسات تطوعية تعتمد على فايدو للتواصل وإنجاز أعمالها.

من القصص الرائعة حول هذه الشبكة قصة طبيب فيتنامي، يقول فيها أن الإنترنت على كل ما تحويه من معلومات وتقنيات حديثة لم تستطع أن تقدم له كطبيب ما يحصل عليه في شبكة فيدو، لأن الإنترنت مراقبة في فيتنام لكن شبكة فيدو غير مراقبة، فكان يحصل على أحدث المعلومات عن مرض الإيدز وعن أمراض اخرى، معلومات عالية الجودة وحديثة، ولولا هذه المعلومات لمات العديد من الناس من هذه الأمراض.

السياسة تدخل ... كل شيء يخرج

منذ بدايات الشبكة كانت هناك محاولات عديدة للسيطرة عليها، توم مؤسس الشبكة نفسه ومبرمج تقنياتها اقترح فكرة إنشاء منظمة لا ربحية تدير الشبكة وتبيع بعض المنتجات وتشكل واجهة رسمية وتقدم دعماً مالياً للشبكة ومن يتطوع فيها، الفكرة رائعة لكنها السحر انقلب على الساحر وحاول أناس من مدن مختلفة السيطرة على الشبكات في مدنهم وانتهت فكرة المنظمة بسبب اختلاف الناس، هذا الاختلاف هو حول السلطة والسيطرة ومن يمتلك قوة القرار، أمر يتكرر كثيراً في عالمنا وللأسف يفسد علينا كل شيء.

فكرة توم لشبكة فيدو هي أن يتطوع الناس فلا يحتاج أحد إلى أن يدير ويتحكم، إذا قام كل شخص بإنجاز مسؤوليته فلن نحتاج إلى أي نظام قانوني يحكمنا، لن نحتاج إلى الحديث عن السياسة وعن السيطرة وامتلاك القرار، كل هذه الأشياء التي تعكر علينا صفو الحياة يمكننا التخلص منها بأن نتفق، لكن هذا لم يحدث فقد كان البعض يريد القوة والبعض يريد المال وبين هؤلاء وهؤلاء ضاعت الشبكة.

مع مرور السنين وازدياد شهرة شبكة الويب بدأ عدد شبكات BBS في الانخفاض مما أدى إلى انخفاض عدد الأقطاب المركزية لشبكة فيدو، لكن لا زالت فيدو تعمل حتى اليوم وتستخدم حول العالم خصوصاً في روسيا وما جاورها من دول.