الأربعاء، 8 ديسمبر، 2004

بين شركة الستائر وإيكيا

ذهبت مع أهلي إلى محل مشهور للستائر، وقد كنت فرحاً متفائلاً لأنني سأذهب إلى هذا المحل لأول مرة وسأرى ما يعرضونه من تشكيلة متنوعة للستائر، ولأن المحل فرع لشركة إماراتية معروفة، لكنني خرجت مستاء وازداد استيائي اليوم، ففي البداية هناك مكاتب موزعة في المحل وبالطبع ستائر بأشكال وأنواع مختلفة، وفي كل مكتب شخص أو شخصان يتحدثان أو يتحدث أحدهما بالهاتف، انتظرنا دقيقة أو دقيقتان حتى جائنا شخص ما، وبدأ يعرض علينا الستائر التي تتحرك بالجهاز التحكم عن بعد، أشعر بالإنزعاج فعلاً عندما يحاول أي بائع أن يعرض علي بضاعته أو خدماته بدون أن أطلب منه ذلك، ونحن جئنا للمحل لشراء نوع معين من الستائر وسنذهب، لا نريد الجلوس لمشاهدة كل التشكيلة.

وأتضايق أكثر عندما يقف البائع على رأسي (أعني بجانبي) وينتظر أي سؤال مني أو يحاول أن يشرح لي ما أراه من بضاعة، على أي حال طلبنا النوع الذي نريده من الستائر وذهب بنا إلى مكتبه وجلسنا وجلس هو يدون بعض المعلومات كنوع الستارة ولونها في دفتر مليئ بالكلام الذي لم أفهمه وكتب عنوان المكان الذي نريد أن نركب فيه الستائر وأعطيته رقم هاتفي النقال لكي يتصل بي ويأخذ مقاسات الستائر، سألته متى ستتصل؟ قال لي: لا أدري! غداً إن شاء الله، قلت: في الصباح أم المساء؟ قال: بعد الظهر أفضل! وهذا ما زاد من ضيقي، لو أنني أنا الذي سأشتري الستارة لخرجت من المحل وذهبت إلى محل آخر أكثر دقة واحتراماً للزبائن، بعد الظهر تعني بالنسبة لي من صلاة العصر إلى الساعة العاشرة ليلاً، فهل علي أن أنتظر بجانب الهاتف كل هذا الوقت لكي أنتظر اتصالهم؟ لماذا لا نكون أكثر دقة؟ لماذا لا نستطيع تحديد وقت معين للاتصال ونلتزم به؟

أحد أصدقائي يتضايق كثيراً عندما أطلب منه تحديد وقت معين لموعد ما أو لقاء، مع أنني أرى أن هذا هو التصرف الطبيعي، يجب أن أحدد وقتاً معيناً للمواعيد أو اللقاءات وألتزم بهذا الوعد بدقة مهما كانت الظروف، إلا أن تكون ظروفاً صعبة فعلاً فعندها سأتصل قبل الموعد بوقت كافي وأعتذر لصديقي، هذا يوفر الوقت والجهد لي ولصاحبي ويجعل الأمور واضحة جلية، أما موعيد بو عرب المتراخية هذه والتي لا تأخذ وقتاً محدداً فهي تستهلك الوقت وتستهلك الأعصاب ... أعصابي على الأقل!

في اليوم التالي انتظرت الهاتف ولم يتصل بي أحد، وبعد يومين اتصل بي أحد العمال طالباً مني أن أدله على الموقع الذي سيركب فيه الستائر، لماذا طلب مني البائع إذاً بيانات عنوان المكان؟ على أي حال جاء العامل وأخذ مقاسات الستائر ولم يخبرني بسعرها، بل قال: أنتظر هاتفاً من المحل، إلهي ألهمني صبر أيوب، أتصل بي البائع من المحل اليوم وأخبرني بالسعر، ولكنه نسي أي لون اخترنا! قلت له أنت قمت بتسجيل اللون أمامي، قال حدث خطأ ما، قلت: اخترنا اللون الأبيض!، وقلت لا بأس أرجوا أن تركبوا الستائر الآن، قال: يجب أن تأتي إلى المحل وتدفع أولاً، حسناً أين الثقة؟ ليأتي العامل ويركب الستائر وأنا سأدفع له، أو عليه أن يأخذ المال ويجعلني أوقع على الفاتورة ثم يركب الستائر، لماذا يجب أن أذهب أنا وأدفع ثم يأتي العامل؟

مع أن الذي ضايقني أشياء صغيرة، إلا أن قرائتي لكتب الإدارة والتسويق وفن التعامل مع الزبائن تجعلني أنظر إلى هذه الأشياء الصغيرة بضيق شديد، لماذا تأتي بعض الشركات الغربية لتؤسس فروعاً لها هنا وتبدع في خدمة الزبائن ونبقى نحن على ما نحن عليه؟

لماذا تعجبني شركة إيكيا؟

افتتح فرع لشركة الأثاث المشهورة إيكيا في أبوظبي قبل سنوات، ومحلهم كبير ولا أخفي إعجابي به، أشعر بالسعادة فقط لمجرد تجولي في المحل ورؤية الأثاث والبضائع المختلفة والجلوس في مطعم المحل وشرب القهوة هناك أو حتى تناول وجبة الغداء، لماذا كل هذا الإعجاب؟ لأسباب بسيطة ويستطيع أي شخص أن يطبقها في مؤسسته أو محله الصغير.

الموظفون مدربون، فهم يعرفون كيف يتعاملون مع الزبائن، لا يزعجك أحد الموظفين ولا يأتي إليك ما لم تطلبه، وهذا الأسلوب يعجبني حقاً، فهم يدعونك تفعل ما تريد وتجرب ما تريد، وإذا أردت مساعدة أطلبها من أي موظف وسيفعل كل ما يستطيع لمساعدتك، وعادة إذا ما مررت بأحد الموظفين تجده مبتسماً ويرحب بك، يتحدثون بتلقائية وبدون تكلف حتى لو كان الموضوع خارجاً عن إطار تخصص المحل، أشعر بأنهم يتعاملون مع الزبائن كأناس على عكس المحلات الأخرى التي أشعر أن موظفيها يريدون أخذ كل ما لدي من مال.

وهم يتصرفون بتلقائية ومرونة، فمثلاً تحتاج بعض المواقف إلى فعل شيء لم تقره الشركة، مع ذلك يفعلونه ما دام أنه في صالح الزبون، فمثلاً حدثني شخص ما عن قطعة أثاث رأها في المحل وقد كانت القطعة الأخيرة المتوفرة، وهي للعرض فقط، لكنه أصر على طلبها، فما كان من الموظف إلا أن قام بفك هذه القطعة وترتيبها وكتب ورقة للموظف المسؤول عن صندوق الدفع، وبالفعل قرأ الموظف عند صندوق الدفع الورقة وقام ببعض الخطوات على حاسوبه ثم طلب تكلفة القطعة من الزبون، وخرج الزبون سعيداً بهذا التعامل، مثل هذه المرونة من الصعب أن تجدها في محلات أخرى، فالموظفون فيها يلتزمون بقواعد محددة حتى لو لم تكن في صالح الزبون.

النقطة الثاني هي الوضوح، فكل شيء واضح تماماً في إيكيا، فعليك أنت كزبون أن تقوم بتوصيل الأثاث بنفسك وتركيبه بنفسك، إن أردت خدمة التوصيل والتركيب فعليك أن تدفع مقابل هذه الخدمات، كل قطعة أثاث هناك عليها بطاقة سعر توضح تفاصيل القطعة، بعض قطع الأثاث تحتاج إلى جمع منتجين أو أكثر لتشكيل القطعة، وكل قطعة لها سعر محدد وبالتالي لها بطاقة واضحة، أشعر بأن المحل يحترمني كزبون فكل شيء واضح ولا مجال للخداع أو التلاعب.

باختصار ما يميز إيكيا هو احترام الإنسان والنظر له كإنسان قبل أن يكون زبوناً لديه بعض المال ينفقه على منتجاتهم، لذلك يسعدني أن أذهب إلى محلهم وأن أتعامل معهم، بغض النظر عن رأيك فيهم أو في منتجاتهم، أجد محلهم أحد أفضل المحلات في الإمارات، فقط بسبب احترامهم للناس، وبالطبع هم يخطأون في بعض الأحيان وقد حدث ذلك مرة معي، لكني لم أتضايق لأنني أعلم أن هذا الخطأ يحدث قليلاً لديهم ولأنني تعاملت معهم كثيراً ولم أجد منهم إلا كل خير، فلماذا أفسد علاقتي معهم بسبب خطأ واحد؟

هذه مقارنة بسيطة بين محل الستائر وإيكيا، متى سنتعلم احترام الناس في مؤسساتنا ومحلاتنا؟