الاثنين، 1 أغسطس، 2005

كتاب: نهاية عهد الوظيفة

كتاب اشتريته قبل خمس سنوات ولم أقرأه إلا الآن، وقد عزمت على ألا أشتري أي كتاب إلا إذا كنت سأقرأه بعد شراءه بفترة قصيرة، فما فائدة تخزين الكتب وصفها دون قراءتها؟ على أي حال، الكتاب من إصدارات [مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية](http://www.ecssr.ac.ae/ECSSR_Index_ar/) ومن تأليف [جيرمي ريفكن](http://en.wikipedia.org/wiki/Jeremy_Rifkin)، ينقسم إلى خمسة أجزاء وثمانية عشر فصلاً، عدد صفحاته 475 صفحة.

يتحدث الكتاب عن الوظائف وظاهرة انحسارها وازدياد نسبة البطالة وأسباب هذه الظاهرة، ويركز الكاتب على التقنيات الحديثة التي يرى أنها السبب الرئيسي لازدياد أعداد العاطلين عن العمل، لأن التقنيات الآن تستطيع أن تحل محل عدد كبير من الموظفين وتقوم بأعمالهم بدون بدون أن تأخذ إجازات مرضية أو راتباً أو حتى تأخذ قسطاً من الراحة، فالآلات والحواسيب يمكنها أن تعمل على مدار الساعة دون توقف.

ففي الكثير من المصانع مثلاً ركبت آلات تقوم بإنتاج المواد الأولية التي يتكون منها المنتج، ثم تقوم آلات أخرى بتحويل هذه المواد إلى أشكال معينة وتركبها بدقة عالية وبسرعة، ثم يغلف المنتج ويصبح جاهزاً لنقله وبيعه، عملية تحتاج فقط إلى أن يشرف عليها قلة من العمال، وقد كانت في السابق تتطلب عشرات أو مئات العمال، هذا الانتقال إلى الآلات أتاح للشركات زيادة الإنتاجية مع خفض التكاليف بصورة كبيرة، لكن هذه الصورة الإيجابية التي تتحدث عنها الشركات دائماً تغطي صورة أخرى قاتمة، وهي خروج آلاف العمال من وظائفهم إلى مجتمع لا يساعدهم على إيجاد وظائف بديلة، وبعضهم يقبل العمل في وظيفة بدوام جزئي وبراتب يقل عن راتبه السابق بنسبة تتراوح ما بين 45% إلى 60%، وبعضهم يأس من محاول إيجاد وظيفة جديدة.

قد لا يكون لدى الشركات أي خيار آخر سوى أن تستخدم أحدث التقنيات، فإن لم تفعل ذلك فهناك منافسون لها حول العالم سيفعلون، وليس من الحكمة عدم استخدام التقنيات في عالم يلهث خلف أي تطور يوفر الوقت والمال والجهد، المشكلة أن التقنيات تسببت في خروج الكثيرين من سوق العمل، فقد أصبحوا عمالة زائدة عن الحاجة، لكن أرباح الشركات في ارتفاع وإنتاجيتها في إزدياد مستمر، وهذه الأرباح تصب في جيوب ملاك الأسهم ومدراء الشركات الذين يحصلون على رواتب خيالية ومزايا عديدة بينما يبقى الموظفون يكدحون في أعمالهم التي تزيد من الضغط عليهم من أجل إنتاجية أكبر مقابل راتب قليل ومزايا شبه معدومة.

خروج الموظفين من سوق العمل يعني تدني القوة الشرائية لديهم أو انعدامها، فلم يعد هؤلاء يملكون مالاً لينفقوه على ما تنتجه شركاتهم، وهذا يعني بالنسبة للشركات أرباح أقل على المدى البعيد، وربما خسائر قد تتسبب في إغلاق بعض الشركات وانهيارها، أضف إلى ذلك أن العبء على الحكومات يزداد من أجل خلق فرص وظيفية أكثر وتقديم معونات للعاطلين عن العمل.

بعد التقنيات تأتي النظريات الإدارية الحديثة التي تسببت في تقليص عدد الموظفين في الشركات، فقد مارست آلاف الشركات ما يسمى إعادة الهيكلة التي تؤدي إلى تقليل عدد المستويات الإدارية وتقليل عدد الموظفين، وإعادة ترتيب ما تبقى منهم لأداء العمل بسرعة وفعالية أكبر.

هيكل المؤسسة يتكون في العادة على شكل هرم، قاعدته الموظفون والعمال، ثم تأتي الإدارة الوسطى والمشرفون، ثم تأتي الإدارة التنفيذية، وقد يأتي بعدها مجلس إدارة أو فقط مدير عام، هذا الهرم كان لدى بعض الشركات يتكون من أربعة عشر مستوى إداري، بعد إعادة هيكلة المؤسسة تقلص إلى خمسة مستويات إدارية، وفي الغالب تتخلى الشركات عن المشرفين والإدارة الوسطى وتستخدم شبكات الحواسيب، لأن وظيفة الإدارة الوسطى هي نقل وإدارة المعلومات بين الإدارة التنفيذية والموظفين، وتراقب كذلك مستويات الأداء والإنتاجية وتدير الموظفين، هذه المهمات يستطيع أن يقوم بها الحاسوب اليوم وبدقة أعلى ومرونة أكبر وبتكلفة أقل.

ومع ظهور نظريات فرق العمل ونظرية التحسين المستمر، بدأت الشركات في تكوين فرق عمل تتخذ القررات بدلاً من المدراء وتنفذها على أرض الواقع وتحاول تحسين الإنتاجية تدريجياً، أدى هذا إلى التخلص من العمال غير المهرة وكذلك من الموظفين الذين يعملون في وظائف مكتبية بسيطة، وفي نفس الوقت خلق هذا الأسلوب ضغطاً عالياً على الموظفين المتبقين لأنهم مطالبون بتحقيق أقصى إنتاجية في وقت قصير، في مصنع لمحركات السيارات تابع لشركة نيسان اليابانية يطلب من كل عامل أداء أربع وظائف في أربعين ثانية، مصانع السيارات اليوم تنتج آلاف السيارات بعدد عمال أقل من السابق بكثير، وبدلاً من أن توظف عمالاً أكثر لتخفيف الضغط تقوم بابتكار وسائل جديدة تخلصها من الحاجة إلى عمال جدد.

التقنيات الحديثة وطرق الإدارة الحديثة أدت إلى خروج الآلاف من سوق العمل، والمؤلف يتحدث بشكل خاص عن أمريكا والدول الغربية واليابان، لكنه يذكر أن الدول النامية تسير في هذا الاتجاه أيضاً، فهي تسارع في تبني التقنيات الحديثة من أجل خلق فرص وظيفية، لكن عدد الفرص الوظيفية لن يكون بالحجم المطلوب، وستبقى البطالة مرتفعة في هذه الدول.

البعض يقول بأن التدريب هو الحل لتوظيف العاطلين عن العمل، والحقيقة أن التدريب جزء صغير من الحل، لا يمكن تدريب الناس كلهم لكي يصبحوا محامين ومبرمجين وخبراء إدارة ومدربين، النقطة الثانية هي أن الشركات تسعى إلى التخلص من الموظفين بأي طريقة ولن توظف الشركة شخصاً يملك مهارات قليلة وهي تطلب خبرات عالية من موظفيها.

الكاتب يقدم حلين لهذه المشكلة، الحل الأول هو تقليل ساعات العمل، فمع زيادة الإنتاجية أصبح هناك فائض إنتاجية يتسبب في خسارة الكثير من المال، وقد قامت بعض المؤسسات بتقليل ساعات العمل لكي يصبح أسبوع العمل أربعة أيام فقط، شركة [فولس فاغن](http://en.wikipedia.org/wiki/Volkswagen) للسيارات طبقت هذا النظام فحافظت على 31 ألف وظيفة، كذلك شركة [أتش بي](http://en.wikipedia.org/wiki/HP) طبقت هذا النظام في بعض مصانعها التي تعمل على مدار الساعة، لكن الموظفون يعملون فيها 30 ساعة فقط أسبوعياً، بينما هناك شركات تفرض على موظفيها العمل لمدة 40 ساعة أسبوعياً وبعضها أكثر من ذلك.

الحل الثاني هو القطاع الثالث، لدينا القطاع الحكومي والقطاع الخاص، أما القطاع الثالث فهو المؤسسات التطوعية، يرى المؤلف أن [الاقتصاد الاجتماعي](http://en.wikipedia.org/wiki/Social_economy) المتمثل في العمل التطوعي سيكون له شأن كبير في المستقبل، إذ أنه سيكون الوسيلة الوحيدة المتوفرة لاستيعاب العاطلين عن العمل، في نفس الوقت يقدم القطاع الثالث خدمات لا توفرها المؤسسات الحكومية أو الخاصة، فخدمات رعاية المسنين والأطفال وذوي الاحتياجات الخاص، وكذلك إعانة الفقراء وتعليم الأميين كلها وغيرها خدمات يمكن للمؤسسات التطوعية تقديمها.

يرى المؤلف أن على الحكومات تقديم مكافئات للعاملين في هذا القطاع، هكذا يمكنهم أن يشتروا ما يريدون وأن تستمر حياتهم بشكل طبيعي فلا يقعون في مصيدة الفقر أو الجريمة، هذا خير من تقديم المعونات للعاطلين عن العمل الذين يأسوا من إيجاد وظائف لهم، فلم لا تستغل طاقاتهم من أجل تقديم خدمات مفيدة للمجتمع؟

العمل ليس مجرد وسيلة للحصول على المال بل هو حاجة نفسية ضرورية، وهذه الحاجة يمكن إشباعها بالعمل التطوعي، والجميل أن العمل التطوعي يقوم به الإنسان بناء على رغبته وليس لأن المؤسسة تطلب منه أن يفعل ذلك.

كتاب يستحق أن يقرأ وتناقش أفكاره مطولاً، دعونا لا ننسى كمهتمين ومولعين بالتقنيات أن لهذه التقنيات جوانب سلبية متعددة، ودعونا نعيد نقاش موضوع العمل التطوعي الذي طرح سابقاً في هذه المدونة وغيرها.