السبت، 3 نوفمبر، 2007

أقلية في بلادي

لا يمكن أن تسير في اتجاهين مختلفين في وقت واحد، لا يمكن أن تمشي للخلف وللأمام معاً، ونحن في مجتمع الإمارات علينا أن نعي أن المهزلة التي تدور حول مشكلة التركيبة السكانية لا يمكن علاجها بأن نزيد من تفاقم المشكلة كل يوم وفي نفس الوقت نسعى لإيجاد حل لها.

هذه المشاريع الكبيرة التي تظهر كل يوم سبب رئيسي في تفاقم المشكلة، فمن يبنيها هو عمال من الخارح وهم بالآلاف، وعندما ينتهي البناء سيحتاج المشروع إلى مئات أو آلاف الموظفين لإدارته وتسييره، الذي يثير غضبي وحنقي هنا أن هناك آلاف الفرص الوظيفية ولا زال هناك مواطنون عاطلون عن العمل.

سيتهم البعض المواطن بأنه كسول، يبحث عن وظيفة حكومية مريحة، لا يعمل بجد، ليس لديه مهارات ... إلى آخر هذه التهم التي نسمعها كل ما أثير موضوع الوظائف هذا، لكن الحقيقة البديهية أن هناك مواطنون لديهم الجدية التامة والنشاط والمهارات ويبحثون عن عمل في المؤسسات الخاصة والحكومية ولا يجدون فرصة، التهم ضد المواطنين أصبحت نكتة سخيفة بعد أن رأيت المواطنين والمواطنات يعملون كمحاسبين في كارفور، وبعضهم يعمل في مجال البيع والتسويق، وهناك أخبار عن سائقي سيارات أجرة، وعن باعة في محلات الحلوى والملابس والعطور، من يتهم المواطن بالكسل فهذه لا ينظر للواقع إلا بعين واحدة.

أعود للتركيبة السكانية، هذه المشاريع الكبيرة والتي تنوي حكومتنا أن تستمر في بناء المزيد منها في مختلف الإمارات ستزيد من تفاقم المشكلة، في نفس الوقت نقرأ التصريحات والأخبار التي تؤكد لنا أن هناك سعي جاد لإيجاد حل لهذه المشكلة، هكذا نحن نحاول السير في اتجاهين مختلفين في وقت واحد، أفعالنا تقول "للخلف سر" وأقوالنا تريد أن تقنعنا بأننا نسير للأمام.

المشكلة هنا هي هويتنا، ثقافتنا، لهجتنا المحلية ولغتنا، هذه الجوانب التي تحدد شخصية الإنسان، وهذه الآن مهددة بالضياع، لم تعد نكتة انقراض المواطن مسلية، بل أصبحت واقعاً نراه، نحن الآن أقلية في بلادنا، ومع ازدياد المشاريع الكبيرة سنصبح أقلة أصغر، فمن 18% إلى 10% ثم إلى 5% ثم إلى 2%، وإذا حدث هذا وضاعت هويتنا وثقافتنا فما فائدة أن نبقى في هذه البلاد؟ فنحن غرباء هنا وسنكون غرباء في أي بلد آخر.

للأسف بعض أبناء هذه البلاد لا يرون أي مشكلة في هذه المشكلة، فهم يعترضون بأقوال مختلفة:

  • ما تريد البلاد تتطور؟
  • خبرني من بيسوي هذي العماير والمشاريع الكبيرة؟
  • أنت ناكر للجميل، هذيلا العمال هم اللي بنوا البلاد!
  • منو بيغسل ثيابك؟ منو يطبخ لك؟

في الحقيقة أنا أغسل ثيابي وفي بعض الأحيان أطبخ طعامي وأدرب نفسي على أن أعتمد على نفسي 100% في هذه الجوانب.

المشكلة في هذه الاعتراضات أن أصحابها يظنون أننا نفكر مثلهم، أخبروني هل تريدون التطور على حساب هويتكم وثقافتكم؟ إن كنتم لا ترون مشكلة في ذلك فأنا لدي ألف مشكلة، في بعض الأحيان أتمنى لو أننا نستطيع العودة لأيام ما قبل النفط، نعم أيام تعب وشقاء لكنني أفضلها على ما يحدث اليوم من ضياع لهويتنا.

لا أريد التطور إن كان على حساب ثقافتي، لكن من يسمع؟ هذا الكلام الذي أقوله هنا قاله قبلي الكثير من الناس، هل تغير شيء؟ للأسف أنني متشائم بشدة حول هذا الموضوع على غير عادتي فأنا متفائل حول كل شيء إلا هذه المشكلة.

بالأمس مظاهرات وتخريب، وغداً قد تكبر هذه المظاهرات وتخرج عن السيطرة وتصبح فتنة كنا نظن في الماضي أن حدوثها مجرد فكرة خيالية مستحيلة، ومن يدري لعل المستقبل يخبأ لنا ما هو أسوأ، أخبروني ما الذي يمنع الأجانب من المطالبة بالجنسية وهم أكثرية؟ ألم نتعلم من تيمور الشرقية أو سنغافورة؟ تيمور كانت جزئاً من أندونيسيا واستقلت، سنغافورة كانت جزئاً من ماليزيا واستقلت، ما الذي يمنع حدوث هذا لدينا؟

أدرك تماماً أن مجرد طرح مثل هذا السؤال يعتبر لدى البعض خيانة أو جنون أو سمه ما شئت، البعض يظن أن ما يقال هنا مجرد شيء مستحيل، لكن تذكروا تصريحات أحد المسؤولين الهنود أو زلة لسان كما قالوا بعد ذلك حين عد دبي أرضاً هندية لكثرة الهنود الذين يعيشون فيها.

لم تعد للهوية أو الثقافة أو حتى الدين أي مكانة، لأننا نفعل الشيء وضده، فهناك مسابقات حفظ القرآن ومسابقات الغناء والعفن الفني، هناك مسجد ومرقص، أصبحنا عالميين وكل شيء يقيم بالمال والمال وحده هو الهدف وهو الغاية، جلبنا كل ثقافات العالم وجنسياته وتغنينا بالأمان والسلام.

لا زال لدي الكثير لأقوله لكنني أكتفي بما قلت، وهذا آخر مرة أكتب فيها موضوعاً عن التركيبة السكانية إلا إذا استجد شيء جديد، كأن تصبح الحكومة جادة فعلاً في حل المشكلة، أو نسمع بخبر انخفاض نسبة الأجانب إلى أقل من 50% من السكان، أو تتحقق شيء من هذه التوقعات السوداء المتشائمة.

إقرأ أيضاً:

الأخ مجرد إنسان كتب عدة مواضيع حول المشكلة تستحق أن تقرأ، مقالات تتناول الموضوع بعمق أكبر:

في الحقيقة كل مقالات مجرد إنسان تستحق القراءة.