الأحد، 4 نوفمبر، 2007

من البطين إلى بوغوتا

يقال إن لم تستطع التغلب عليهم فانضم إليهم، وهذا بالضبط ما فعلته مع أبناء إخوتي، كنت أحاول التركيز على شاشة الحاسوب ولم أنجح إلا في تضييع الوقت، أحد الجيران قرر إزعاج الحي بأكمله بإطلاق ألعاب نارية بين حين وآخر، صوتها عال وهي تأتي فجأة بدون سابق إنذار وللأسف لم تكن متواصلة، فبعد أن أسمع صوت انفجار إحدى هذه الألعاب تأتي فترة هدوء لخمس دقائق أظن فيها أن الجنون قد توقف عند هذا الحد ليعود مرة أخرى بصوت أقوى، وكل ما أستطيع فعله هو كيل الشتائم والدعاء على من يتسبب في هذا الإزعاج ... مسكينة هذه الشاشة التي تسمع مني كل شيء، لو أنها كانت كائناً حياً لصرخت في وجهي وهربت!

فوق إزعاج جارنا العزيز جاء أبناء إخوتي وهم يلعبون لعبتهم المفضلة في كل مرة يأتون فيها إلى المنزل: الركض بدون هدف والصراخ بدون هدف، وكل دقيقة ونصف يخترعون لعبة وقوانين جديدة، وفي هذه الفوضى العارمة وبين إزعاج الجيران والأطفال أبدأ في التفكير بخطط جهنمية لتعذيب وحرق كل من تسول له نفسه إزعاجي، بالطبع في خيالي أستطيع أن أفعل كل شيء، فأنا أقول لأحد الأطفال: "خفوا أصواتكم، ألعبوا شوي شوي" بينما في خيالي أتصور بأنني أقذفهم نحو الفضاء في رحلة لا عودة لها.

وصلت إلى حد من الجنون جعلني أقرر بأن علي الانضمام لهم، فأنا أشتكي منذ وقت طويل حول هذا الإزعاج لكن بلا فائدة فما أهمية أو وزن ما أقول؟! جمعتهم وسألتهم عن الألعاب الشعبية التي كنا نلعبها صغاراً فوجدت أن اللعبة الوحيدة التي يعرفونها هي ما يسمونه اليوم "شرطي حرامي" وهم بذلك يصورون الواقع بشكل جميل فالشرطي حرامي هو واقع نشاهده ونسمع به، ألا يقولون "حاميها حراميها؟" هؤلاء الأطفال يقولونها بشكل مختلف فهي لديهم "شرطي حرامي."

بدأت أعلمهم قوانين الألعاب وبدأوا في اللعب واستمتعوا، المشكلة أن أعمارهم تختلف فالكبار يفهمون ويلتزمون والصغار يحبون الفوضى وأصغرهم لا يدري ما الذي يحدث لكنه سعيد بالفوضى من حوله وهو يشارك بما يستطيع.

مشكلة أخرى ظهرت، إذ أنهم لا يريدون ممارسة لعبة واحدة لثلاثة أشواط أو أكثر، فكلما مرت خمس دقائق طلبوا لعبة أخرى! ما مشكلة هذا الجيل؟ كنا نلعب لعبة واحدة من صلاة العصر وحتى تغيب الشمس، لماذا لا يستطيعون التركيز على لعبة واحدة؟

على أي حال، بعد فترة قصيرة من اللعب انضم أخي إلينا وبدأنا في تعليمهم ما نتذكر من ألعاب حتى يلعبوها بأنفسهم في وقت لاحق بدلاً من ممارسة لعبتهم المفضلة "الصراخ والركض" وهكذا يمكن أن أنجح في تخفيف مستوى إزعاجهم إلى أقل حد ممكن لأن الكثير من الألعاب الشعبية تتطلب الركض والاختباء وشيئاً من الهدوء.

ما حدث بالأمس جعلني أفكر في حالنا مع الأطفال، في الماضي القريب كانت ألعابنا متنوعة، كان بعض شباب وأطفال الحي يبنون بيوت خشبية فوق الأشجار أو بينها، كان بعضهم يصنع نشاباً يستخدمها لضرب بعض الأطفال الآخرين ولضرب القطط - أعلم! كنا نقسوا على الحيوانات كثيراً - وهناك من يصنع قوارب شراعية صغيرة يذهب بها إلى البحر ليتسابق مع الآخرين، كنا نلعب ألعاباً تتطلب منا الركض لمسافات طويلة بين الأحياء.

أما الدراجات الهوائية فهذه تحتاج مقالة لوحدها، كان شباب الحي يجمعون قطع الدراجة الهوائية من أماكن مختلفة ويقومون بتركيبها لتصبح لديهم دراجة كاملة، بعضهم يضيف لها ما يجعلها تصدر صوتاً مزعجاً كالدراجات النارية.

كنا نخرج من المنزل ونلعب في الشارع ونذهب إلى أماكن بعيدة عن المنزل، شخصياً كنت أستمتع كثيراً باللعب لوحدي وقد جاءت فترة كنت أمتلك فيها دراجة هوائية جعلتني أصل إلى أماكن بعيدة، كنت أشعر بروح المغامرة في حينها، اليوم أصل لنفس الأماكن مشياً!

اليوم لا يمكن أن نسمح لأبناء أخي بالخروج قليلاً من الباب الرئيسي للمنزل، لماذا؟ لأن هناك شارعاً تمر فيه السيارات مسرعة ولا يمكن أن نأمن على أحدهم هناك، فقد يلعب بكرة وتذهب بعيداً في اللحظة نفسها التي تمر فيها سيارة ويركض الطفل خلف الكرة بدون انتباه وقد لا يملك السائق خياراً في مثل هذه الحالات فيصدم الطفل.

لا توجد حديقة قريبة أو ملعب، البحر أصبح وكراً لرؤوس الأموال وأصاحب رؤوس الأموال وشيئاً فشيئاً بدأت المساحات الفارغة التي يمكن فيها للمرء أن ينظر للبحر بالتقلص وقريباً لن يكون هناك مكان يسمح لنا فيه بأن نلمس البحر بأصابعنا إلا إذا دفعنا الشيء الفلاني أو قمنا باستئجار شقة أو مساحة نضع فيها قارباً.

تصور هذا البحر الذي أصبح وكراً كان قبل سنوات قليلة مفتوحاً ويمكن لأي شخص أن ينزل للسباحة أو يضع قاربه في أي مكان، كنا نتجول هناك كل صباح ونأكل من المطاعم الهندية، ونحاول صيد السمك أو نخرج إلى البحر، كل هذا لم يعد ممكناً اليوم لأطفالنا، هذه مجرد قصص نقصها عليهم وإذا أردنا الخروج للبحر فهناك المشاكل تلو المشاكل ... جزيرة فلان وبحر فلان! ممنوع الصيد هنا، ممنوع النزول إلى هذه الجزيرة، لماذا خرجت إلى البحر؟ أين ملكية القارب؟ إلى أين ستذهب؟ أصبح البحر ملكاً لمن لا يستحق أن يملك.

ﻻ أدري بماذا كان يفكر من خطط المدن في بلادنا، هل يعقل أن يحاط منزلنا بثلاث شوارع؟! واحد في الخلف وآخر في الأمام والثالث على الجانب الأيسر، ولسنا وحدنا هنا فكل المنازل محاطة بشوارع تمر فيه السيارات مسرعة.

المدن في دول أخرى تخطط على أساس أن من سيعيش فيها هم أناس لديهم اهتمامات ويريدون ممارسة أنشطة مختلفة، لديهم أطفال يخافون على سلامتهم، أناس يريدون أن يمارسوا الرياضة في طرق جميلة لا يجدون فيها إزعاج السيارات وتلوث الهواء.

أتذكر قبل سنوات أنني قرأت خبراً في جريدة الاتحاد يقول بأن بلدية أبوظبي ستقوم بإنشاء طرق طويلة خاصة للمشاة فقط، وأنها ستفتح الحدائق العامة لتصبح عامة بالفعل وتلغي الأسوار المحيطة بها، لكن هذا لم يحدث حتى الآن.

من الضروري أن نغير تخطيط المدينة لتصبح ملائمة أكثر للناس بدلاً من أن نصممها للسيارات، لماذا نجعل المرء منا يحتاج إلى سيارة لكي يشتري أغراضه اليومية؟ أو ليذهب إلى حديقة أو إلى شارع يمكنه أن يمشي فيه؟ لماذا نجبر الأطفال على أن يبقوا في منازلهم بدلاً من أن نصمم المدينة لكي تشجعهم على الخروج واللعب مع بعضهم البعض في مكان آمن بعيد عن السيارات وقريب من بيوت الناس.

هل التغيير الآن مستحيل؟ لا، على الأقل هناك تجربة يمكن أن أشير لها تغيرت فيها المدينة إيجابياً وبشكل كبير، بوغوتا عاصمة كولومبيا كانت عاصمة للجريمة، كانت إحدى أخطر المدن في العالم وأصبحت اليوم آمنة أكثر من واشنطن دي سي عاصمة أمريكا، ما الذي تغير؟ جاء عمدة جديد للمدينة حولها من مدينة جرائم إلى مدينة يريد الناس أن يعيشوا فيها، المواصلات العامة أصبحت أولوية، أعتنوا بالحدائق والساحات العامة، هناك شبكة كبيرة لراكبي الدراجات الهوائية ولمن يريد أن يمشي ويمارس الرياضة أو ببساطة يذهب إلى عمله.

تغييرات كثيرة أجراها العمدة تشجع المشي وركوب الدراجات الهوائية وتشجع الناس على ممارسة التواصل والتمتع بالأماكن العامة الجميلة، هذا لوحده كان كفيلاً بتقليل الجرائم، الجمال والطبيعة لهما تأثير كبير على نفسية الإنسان.

أظن بأن علي التوقف هنا لأنني بدأت بأطفال أخوتي ووصلت إلى كولومبيا لكنني لا أستطيع أن أتوقف لأن الموضوع واسع ومتشعب ولدي اهتمام كبير به، علي أن ... أتوقف ... الآن ... وإلا ....!