الخميس، 22 مارس، 2007

في أندونسيا الموت أغلى من الحياة

خرجنا من بوغور وتوجهنا نحو قرية أخرى، الشمس غابت أو كادت تغيب واقترب موعد صلاة المغرب، في الطريق كان عتبة يتحدث مع أبو عمر عن مشروع وقف للأموات، هناك مشكلة تواجه الناس في أندونيسيا حيث أن الميت يكلف أهله الكثير من أجل الإعداد لجنازته ومكان دفنه، بعض الناس يدفنون موتاهم في بيوتهم، هناك تكاليف مختلفة تجعل الموت كما قال عتبة "أغلى من الحياة" ولذلك لا بد من التفكير في إنشاء وقف لمساعدة الناس على دفن موتاهم.

وصلنا إلى مسجد آخر ساهم الهلال الأحمر الإماراتي في بناءه، صلينا المغرب هناك جماعة مع جمع من الأخوة وفي الصف الثاني كان يصلي خلفنا مجموعة من الأطفال وقد كان بعضهم يعبث في الصلاة ويضحك، لكنني شخصياً لم أكن منتبهاً لكل هذا لأنني الآن لم أنم منذ ما يزيد عن أربع وعشرين ساعة.

بعد الصلاة قام الأستاذ أبو عمر بالحديث عن الأخوة بين المسلمين وعن واجب كل مسلم في الاهتمام بأمر المسلمين جميعاً، بعد حديثه قام الجميع وبدأ الأخوة الأندونيسيين بإنشاد الصلاة على النبي بلحن جميل، يغنون ويسلمون على بعضهم البعض، الصغار كانوا يرفعون أيدي الكبار نحو جباههم، يبدو أن هذه عادتهم بعد كل صلاة، أن يسلم الجميع على الجميع.

خارج المسجد المطر ينهمر وصوت الرعد نسمعه بين حين وآخر، مطر أندونيسيا يختلف عن المطر هنا في الإمارات، حبات المطر كبيرة كثيفة، وبما أن أندونيسيا تقع في منطقة استوائية فهي ترتوي من هذه الأمطار كل يوم تقريباً.

ركبنا السيارة وعدنا إلى جاكرتا، في الطريق كانوا يتناقشون حول المكان الذي سنتناول فيه طعام العشاء، كانت هناك خيارات مختلفة لكن الأستاذ أبو عمر أراد مطعماً عربياً ليكون قريباً من ذوقنا، فاختار الإخوة مطعماً يسمى السندباد، المطعم صغير ونظيف، اخترنا حجرة جانبية وبدأنا ننظر في قائمة الطعام، شخصياً لا أريد تعقيد نفسي بأي شيء، اخترت فقط مشاوي مشكلة وقد ظننت أنها شيء يشبه الذي أجده في بلادي.

جاء الطعام فوجدت أن المشاوي المشكلة لديهم تناسب أحجامهم، فهي أربعة أو خمسة أنواع من الكباب الصغير مع شيء من الجزر والخيار، أما الخبز فقد كان علي أن أطلبه أيضاً لأنهم لا يقدمونه كما تفعل مطاعمنا الشامية هنا.

هنا وصلت إلى مرحلة لم أعد أستطيع فيه التفكير، فأنا بحاجة ماسة للنوم الآن، انتهينا من الطعام ووصلنا إلى الفندق ثم إلى غرفتي لكن علي أن أقوم بالأعمال المعتادة قبل النوم، الاستحمام وتنظيف الأسنان وصلاة الوتر، لا أدري كيف قمت بهذه الأعمال لأنني كنت أشعر أن الغرفة تدور من حولي.

بعد أن انتهيت من كل هذا استلقيت على الفراش، لم أنم مباشرة ولم أهنأ بالنوم في هذه الليلة، فعند نومي كنت أحلم بأنني مستيقظ! فأستيقظ لأجد أنني كنت نائماً وما رأيته كان مجرد حلم! تكرر هذا مرات عديدة، بعد ذلك استيقظت وقد أخذت كفايتي من النوم، اتصلت بعامل الهاتف لأعرف الساعة فأخبرني أنها الثانية صباحاً، لدي وقت طويل حتى صلاة الفجر، قمت باستغلاله بالقراءة والتلاوة والنوم أيضاً لكن أفسد علي نومي أصوات شخصان يتجادلان بصوت عال جداً في غرفة مجاورة.

قبل صلاة الفجر بدأ الناس في بعض المساجد المجاورة بقراءة القرآن، لم يكن الصوت مسموعاً لدي بشكل واضح لكنه كان كافياً لأعرف أنهم يقرأون القرآن، ثم رفع الأذان وذهبت إلى غرفة أبو عمر للصلاة وعدت لأكمل نومي.

في اليوم الماضي اتفقنا على أن يأتي الأخ عتبة مع السائق في الساعة الثامنة، قبل هذا الوقت كنا نتناول طعام الإفطار ولم أتناول الكثير في هذا الوقت، لم أكن أشعر برغبة في تناول أي طعام، بعد ذلك انتظرنا لكن تأخر الأخوة علينا فاقترح أبو عمر أن نتجول خارج الفندق، فكرة لم أتقبلها لكن ذهبت.

أندونيسيا بلاد جميلة بلا شك، الطقس في الجبال بارد ورائع، أما شوارعها فهي ملوثة وحارة ولا أنصح أحداً بالتجول فيها، كان الجو رطباً خانقاً، أضف إلى ذلك دخان عوادم السيارات وهو في غالبه من نوع "الديزل" الأسود الثقيل، والشمس ساطعة حارة، ذهبنا إلى يمين الفندق أولاً وسرنا مسافة ثم دخلنا إلى حي سكني، في الحي هناك طريق ضيق تحفه المياه الجارية، أو كما سماه الأستاذ أبو عمر "ماء جاري" لكنه في الحقيقة "مجاري"، مياه قذرة تخرج من المنازل لتسير مسافة طويلة فتلوث الجو والأرض والأنهار، وصلنا إلى مسجد هناك وصلى أبو عمر صلاة تحية المسجد.

عدنا إلى الطريق العام ثم إلى الفندق ثم تجاوزنا الفندق، إزعاج السيارات والدراجات لا يحتمل، الجو خانق وملوث، طلبت أن نرجع للفندق وعدنا، ولم يتأخر عتبة والسائق كثيراً لنخرج في نزهة سياحية قصيرة.

أراد عتبة أن يذهب بنا إلى شلال وبحيرة بركانية حارة، وصلنا إلى منطقة تسمى "بونشا" كما أخبرني عتبة ولعلي لم أسمع الاسم جيداً، بدأنا في صعود الجبل والجو هنا أكثر برودة ونظافة، ثم وصلنا إلى طريق ترابي وسرنا مسافة بين الأشجار حتى أوقفنا عائق صغير، عمود كهرباء سقط نتيجة لانهيار طيني، كان بيننا وبين الشلال مسافة كيلومترين لم نرغب في أن نقطعهما مشياً، فعدنا وقررنا الذهاب إلى حديقة الحيوان تسمى تامان سافاري.

قبل الحديقة توقفنا لشراء حزم من الجزر، ولم أدري لماذا فعلوا ذلك لكن سرعان ما اتضح لي الهدف من هذا الجزر، فقد كنا نسير بالسيارة في الحديقة والحيوانات تتجول بحرية فيها، فنحن الذين نعيش في قفص والحيوانات هي التي تنظر لنا، ألتقينا أولاً بالحمير الوحشية، فتح عتبة النافذة ومد جزرة ليأكلها الحمار الوحشي، هل لاحظتم الوضع؟ نحن الذين نعيش في القفص ونحن أيضاً من نطعمها!

كانت إطعام الحيوانات أمراً ممتعاً، فقد رأينا اللاما التي كانت في بعض الأحيان تركض بجانب السيارة ثم تسبقها لتقف أمامها وتوقفنا لكي نطعمها، كان السائق أسجد يمازح عتبة بأن يفتح النافذة بالكامل فتدخل اللاما رأسها داخل السيارة، فيقوم أسجد بمد الجزر لها ثم يبعد يده فتدخل رأسها فوق رأس عتبة الذي كان يحاول الاختباء في مقعده.

رأينا هناك أنواعاً مختلفة من الحيوانات، كالدببة والقردة والجمال والجاموس والزراف وغيرها، رأينا كذلك الأسود وهي من أكسل الحيوانات، كما أتذكر الأسد لا يعيش في الغابة وينام معظم الوقت ويأكل مما تصطاده أثنى الأسد ومع ذلك يسمونه ملك الغابة؟! وقد رأينا هناك أيضاً النمور وهي تعيش في الغابات ورأينا النمر الأبيض وهو حيوان نادر.

أكثر من أضحكني في الحديقة أو إنسان الغابة، رأينا واحداً يملك كرشاً ومستلق بكسل على الأعشاب، رمى له أبو عمر جزرة فذهب لها بكسل وعاد لمكانه واستلقى على جانبه ثم رفع يده ليأكل الجزرة بطريقة مضحكة.

بعد أن انتهينا من الحديقة توجهنا نحو مسجد في أحد الجبال، هناك رأينا مزارع الشاي على مد البصر، أشجار خضراء على سفوح الجبال تقطعها بعض الممرات، وصلنا إلى مسجد كبير وهناك لديهم نظام مختلف لوضع الأحذية، فعليك أن تعطيها لموظف ويعطيك هو رقم خاص بها، وقبل أن ندخل إلى المسجد علينا أن نخوض في ممر صغير يحوي تجري فيه المياه الباردة فننظف أرجلنا قبل الدخول إلى المسجد، فكرة رائعة لإبقاء المسجد نظيفاً.

في المسجد توظأت وصليت مع الناس في ساحة خارجية، بعد ذلك دخلنا إلى المسجد لنصلي صلاة العصر فرأيت ما أعجبني، المسجد جميل نظيف، الأرضية من الخشب الذي يسهل تنظيفه وأظن أنه ليس بحاجة للتنظيف كثيراً.

خارج المسجد أزعجني الباعة الملحون الذين يريدون بيعي الشنط والحلي وأطعمة مختلفة وأنا أردهم برفع يدي وتكرار "شكراً" لكن لا فائدة، لست من النوع الذي يشتري عند السفر، فأنا أحب أن أعود إلى بلدي دون أن أثقل نفسي بأي شيء.

انطلقنا نحو جاكرتا للتسوق، كان رأسي يعاني من الصداع الشديد نتيجة لجولة الصباح، وفي السيارة بدأت أشعر بالدوار ولم أرغب في التسوق، طلبت منهم أن ينزلوني في الفندق لأرتاح وذهب أبو عمر للتسوق.

في الفندق أخذت قسطاً من الراحة ثم اتصل بي أبو عمر لكي نصلي المغرب والعشاء وبعد ذلك انطلقنا لتناول وجبة العشاء، في مطعم الفندق لم يكن هناك الكثير من الناس فقد أتينا مبكراً، مع ذلك أصر الفندق على إزعاجنا بشخص يعزف على البيانو مع مغنية! لم يكن هذا يهمني فصداع الرأس لا زال قوياً وقد كنت جائعاً.

لم يحدث الكثير بعد ذلك، فنحن في الغد متجهون نحو المطار في الساعة الثانية عشر ظهراً، وفي فترة الصباح لم يكن لدينا شيء نفعله، فجلسنا نتناول طعام الإفطار ونتحدث لوقت طويل، ثم عدنا إلى غرفنا وبدأنا في إعداد أنفسنا لرحلة العودة.

هذا كل شيء اليوم، ويبقى موضوع واحد صغير.